التراجعات التي يشهدها غير بلد عربي على صعيد وحدته الداخلية وسلامة أراضيه والتهديدات الخارجية، تنبىء في جانب منها عن فداحة الفراغ السياسي الذي تشهده منطقتنا . فالتفاعلات الداخلية السلبية هنا وهناك تتم وتتفاقم بمعزل عن أي تأثير يذكر للكتلة القومية أنظمة ومؤسسات: الجامعة العربية، والقمم التي تعقد في رحابها، مع إغفال أمر لعله غاية في الأهمية، وهو أن سوء الأحوال في بلد ما يهدد الجيران، ومن هم أبعد منهم على الأمد الطويل .
ليس هذا الوضع بجديد، إذا كان هناك من جديد فهو رسوخ وضع الدول والأنظمة ككيانات تجد مصلحتها في الحد مما تبقى من روابط مشتركة، حتى إن هذه الروابط باتت تندرج عملياً في رومانسيات قومية عفا عليها الزمن، كما يكشف ذلك أداء هذه الكيانات، التي تتطير من أي تعاون جماعي حين يكون متصلاً بخيارات استراتيجية . يتحدث المرء هنا عن محصلة عامة، وذلك مع الإدراك بأن هناك قدراً من التباين في الأداء بين طرف وآخر في المشرق والمغرب .
يستوقف المرء أن ما يشهده اليمن من اضطرابات مركبة تسهم فيها أكثر من جهة وأكثر من فريق، لا يثير انشغالاً يذكر في العالم العربي باستثناء الاهتمام الإعلامي، ومحصلة ذلك أن الاطراف المتنازعة هناك باتت كما يبدو تبني حساباتها على أن العالم العربي ليس عنصراً فاعلاً في تقرير الأمور لا اليوم ولا غداً، وهو ما يسد الآفاق أمام أية حلول في الأمد المنظور ويوفر أمام السلبية العربية فرصة موضوعية لتدخلات خارجية .
ينطبق ذلك على الوضع المأساوي في السودان . فتقسيم هذا البلد كما بات يلوح بوضوح في الأفق، وبقاء النزف في إقليم دارفور، لا يحظى بأي انشغال عربي باستثناء الجهد المصري الذي يواكب التطورات، لكنه ليس عنصراً فاعلاً فيها حتى الآن . وليس المقصود هنا بالطبع تفضيل التدخل، بل التماس التأثير الإيجابي الملموس من الخارج .
أما قضية الصحراء بين الجزائر والمغرب، فهي من القضايا التي تشهد منذ أمد طويل غياب أي تأثير عربي فيها . ولئن كان الشقيقان الجاران في المغرب العربي، لا يؤثران كلٌ لدواعيه الخاصة أي تأثير للكتلة العربية أو لأطراف شقيقة ويفضلان دوراً للأمم المتحدة، قد انتهى هذا الأمر إلى سلبية تامة في العالم العربي، وإلى إشاعة الانطباع في الخارج بأن العالم العربي عاجز عن حل مشكلاته البينية، وأنه يُعّلق دائماً إخفاقاته على شماعة الآخرين، علماً بأن بعض أوجه المعاناة سببها أطماع وتدخلات خارجية بالفعل .
الوضع الحساس في لبنان هو مثال آخر . هناك جهد سعودي سوري بعض مظاهره واضحة معلنة، وبعضها الآخر يبقى طي الكتمان ووراء ستار وذلك لاعتبارات شتى، وليس معلوماً مدى التغطية العربية التي يأمل المرء فيها لهذا الجهد الثنائي، غير أنه يبقى بعدئذٍ ملاحظة أن الاحتقان السياسي ما زال على حاله في هذا البلد، علماً بأن معضلاته السابقة لم تجد حلاً لها إلا برعاية عربية، كما جرى في لقاء الرئيسين الراحلين عبدالناصر، وفؤاد شهاب على الحدود اللبنانية السورية في عام ،1958 ثم في توقيع اتفاق الطائف واتفاق الدوحة .
في المسألة العراقية حققت جهود عربية نتائج طفيفة، تعود في أساسها إلى تعقيد الوضع هناك وكثرة الفاعلين بالسلاح في بلاد الرافدين . وفي المحصلة فإن الأطراف العربية مجتمعة، باتت هي الأقل تأثيراً في إخراج هذا البلد من محنته، وهو ما يسهم في ظهور تيارات سياسية وأيديولوجية، تعيد توصيف الهوية الوطنية العراقية وتحديد مكوناتها، وتجعل من انتمائه العربي مسألة فيها نظر، وهذه إحدى نتائج غياب الاهتمام الفاعل، وكذلك محاولة البعض الإفادة على طريقته ومن منظوره للمحنة .
في المسألة الفلسطينية فإن الاهتمام ما زال قائماً، ويعبر عن نفسه في سلسلة اجتماعات للجامعة وفي مواقف الأطراف . غير أن هذا الاهتمام بات ينحو أكثر فأكثر نحو العموميات: المواقف العامة، غير الملزمة لأصحاب هذه المواقف كما للأطراف الفلسطينية، وغير الفاعلة في النتيجة، ما يجعل القضية مجدداً في مهب لعبة الأمم وتحت رحمة الحوار بين واشنطن وتل أبيب في المقام الأول والثاني والعاشر، ثم تحت وطأة نفوذ الطرف الإيراني .
هذه عينة من قضايا العالم العربي المتروكة للتفاعلات الداخلية وللاعبين المحليين، ولما تيسر من تدخلات خارجية ومن استقطابات تجتذب أطرافاً غير عربية، وهو وضع يزداد انكشافاً، ويأخذ في طريقه الرأي العام العربي الذي ينحو بدوره للسلبية باستثناء بعض المواقف الوجدانية والخطابية التي توزع التصنيفات السهلة ذات اليمين والشمال، وسوى ذلك فإن سواد العرب منغمسون في شؤونهم الداخلية، وفي تحديات الحياة المحلية هنا وهناك .
هذه بعض سمات الفراغ السياسي الذي يُطبق على العالم العربي، والذي تتوالد خلاله أزمات تتخذ طابعاً كارثياً وليس أقل من ذلك، وكما تم عرضه في السطور السابقة، والذي بات يجعل من الكتلة القومية . . الرسمية والشعبية على السواء، مجرد مقولة لا تجد لها، للأسف الشديد، ما يسند صحة وجودها في الواقع الحي، وهو تطور بنيوي سيكون له ما بعده، إذا استمر الحال على هذا المنوال .