شاب عربي جامعي يبيع سلعاً صغيرة في ساحة في مدينة عربية، تدهمه دورية شرطة فتصادر (البسطة أو العربة)، تضيق الدنيا في وجهه، فآخر وسيلة للعيش أقفلت في وجهه، يفكر في أهله الذين يعتاشون من وراء هذه الوسيلة، يفكر في كرامته كإنسان جامعي عاطل عن العمل ولا يعمل في تخصصه، يفكر في شبابه ومستقبله وأحلامه فتوصله إلى أفق مسدود، يشعر باليأس المميت، بالفشل الذريع، تتساوى الحياة بالموت، فيضرم النار في نفسه لينهي حياة البؤس والفشل والضياع والمعاناة . يستبشع الناس المشهد، تثور حميتهم، يغضبون، يهتفون، ينطلقون في الشوارع، ويعم الصراخ البلاد .
يحدث هذا في أكثر من بلد عربي، حيث يمتلك بشر أفخم أنواع السيارات، ويتنقل بشر فوق ظهور الدواب، ويرمي بشر الطعام في صناديق القمامة، ويعتاش بشر على نبش تلك القمامة، ويرتدي بشر أفخم أنواع الثياب، ويرتادون أرقى المطاعم، ويرتدي بشر آخرون ثياباً رثّة ويقتاتون على الخبز وما تيسر من طعام فقير في عناصره ومكوناته، ويتعالج بشر في أرقى وأحدث المستشفيات، ويموت بشر في العيادات المتخلفة .
في كل عام جديد تتعدد أمنيات الإنسان العربي، بعضها معلن وبعضها يظل يحفر في النفس كالسرطان، ويلاحظ أن الأمنيات تراجعت كالإيديولوجيات، حيث تراجع الفكر القومي إلى فكر إقليمي وقطري، وتراجعت أمنيات الناس من أمنيات عامة وطنية إلى أمنيات خاصة شخصية، فلا يكاد المرء يفكر خارج جدران منزله، لم تعد تهمه أفكار كالوحدة العربية، بل وحدة الأسرة، ولم تعد تهمه تطلعات الازدهار الوطني، بل التحسن المعيشي الفردي، فاستشرت النزعة الشخصانية، وتخلخلت القيم، وساد مبدأ الغاية تبرر الوسيلة .
وبما أننا نشتغل في الشأن العام، ونكتب في القضايا الوطنية، فيحق لنا أن نتمنى، نقترح، أو نطرح أفكاراً، وبالتأكيد لن تكون خاصة أبداً، وإن تداخل الخاص بالعام، فبنظرة واحدة حولنا نجد أن عدداً من الأنظمة العربية غير معروفة الشكل، أي لا يمكن تصنيفها على أنها جمهورية على الرغم من احتفاظها بهذا الاسم، فالجمهورية هي حكم الجمهور، وتبادل السلطة والتناوب عليها، والجمهور غائب كلياً عنها، ولهذا، إن أول اقتراح للأنظمة أن تصحح أوضاعها، فتسمي نفسها التسمية التي تمارسها يومياً، وهناك أنظمة يجب أن تصحح أوضاعها السياسية فتتحول من جمهوريات أو ما شابه إلى ممالك، وتنفيذ هذا الأمر ليس صعباً، فمن يحكم أربعين عاماً أو ثلاثين أو عشرين لا شك في أنه ملك، ومن يورث الحكم لابنه فهو ملك، ومن لا يفرق بين المال العام والمال الخاص فهو ملك، فلماذا تشغل هذه (الدول الممالك) نفسها بانتخابات غير حقيقية واستفتاءات غير نزيهة، وتدعي الديمقراطية، والحصول على شرعية وجودها من الشعب؟ لماذا لا تكون صريحة جداً؟ لأننا لا نفهم أبداً كيف يتحول نظام بدأ ثورياً، قومياً، اشتراكياً، ديمقراطياً، شعبياً، وانتهى دكتاتورياً يتحكم بثروات الشعب، ولا نفهم كيف يبدأ نظام معادٍ للإمبريالية والصهيونية والاستعمار والماسونية ثم ينتهي عكس ذلك كله؟ الأمر في حاجة إلى تصحيح أوضاع، وأعتقد أن على جامعة الدول العربية أن تنبري للمطالبة بهذا الأمر، وتبدأ بنفسها .
إضافة إلى ذلك لا توجد في هذا العالم اليوم أي قيم أخلاقية، هناك مصالح متبادلة، ويمكن التضحية بأفراد قليلين وكسب مليارات كثيرة من أجل تحقيق المصلحة الخاصة .
والأنظمة الملكية ليست سيئة أبداً، فمعظم دول أوروبا التي تطبق النظام الملكي هي دول متقدمة ومستقرة، ويعيش الإنسان فيها ازدهاراً وسلاماً كبيرين، ولنا أمثلة في السويد والدنمارك والنرويج وهولندا وبريطانيا وأستراليا وبلجيكا وغيرها، ولكن هل يقبل (الرئيس الملك) أن يتحول إلى ملك وتتقلص صلاحياته الدستورية والسياسية ويتراجع نفوذه؟ قد يقبل هذا، لأنه في النهاية يريد أن يكون ملكاً، ويضمن لأولاده مستقبلهم .
قد يبدو الكلام سوريالياً وحديث ما فوق الطبيعة، إلا أن الواقع أيضاً يتسم بالسوريالية والعبثية والفانتازيا وما فوق العقل والمنطق، ولهذا نسمح لأنفسنا بهذه الأمنيات، الاقتراحات، التطلعات، حتى تتوقف دهشتنا عن الممارسات والسلوكيات .
أمنياتنا في العام الجديد بسيطة جداً، وهي ليست شخصية، حتى لا يتهمنا البعض بالطمع والوصولية، وهو أن مستقبل هذه الأمة وأجيالها والمحافظة على قيمها وثوابتها مرهون بصلاح هذه الأنظمة، داعين الله العلي القدير أن يساعدهم على تحقيقها، وكل عام والأمة العربية والإسلامية بألف خير .