تستمر إسرائيل في التعنت، وتستمر على موقفها الرافض للعودة إلى حدود عام 1967 وإعطاء الفلسطينيين حقهم في تقرير المصير والاستقلال، ولم تنفع كل المناشدات الدولية وكل التنازلات التي قدمتها السلطة الفلسطينية في دفع المسؤولين الإسرائيليين إلى اللين والقبول بوقف الاستيطان الجاري على قدم وساق في الضفة الغربية والقدس، أو بوقف أعمال التجريف تحت المسجد الأقصى . وعلى صعيد موازٍ يستمر الانقسام في الموقف الفلسطيني بين فتح وحماس وبين مؤيد لفتح ومؤيد لحماس، ولم تنفع كل محاولات الدول العربية في لمّ الشمل الفلسطيني وإعادة الوحدة في الموقف السياسي إلى الضفة وغزة . وإذا كان مفهوماً سبب الرفض الإسرائيلي للسلام وتداعياته على الشعب الفلسطيني، والذي يتمثل في الخوف من قيام دولة فلسطينية ملاصقة للكيان ومنافسة له على الأرض والوجود، فإنه من غير المفهوم سبب الانقسام الفلسطيني بين فتح وحماس، خصوصاً أن أياً من الطرفين لا يستطيع الادعاء أن نظرته إلى الصراع مع إسرائيل تمثل كل الحقيقة . فلا حركة فتح وسلطتها القائمة في رام الله بالضفة الغربية، قادرة بسياستها السلمية إثبات أن هذه السياسة هي الأسلوب المفضل للتعامل مع إسرائيل، ولا حركة حماس تستطيع أن تثبت أيضاً أن المشروع الجهادي قادر على تحرير الأرض واستعادة الحقوق . وعبر التاريخ كانت حركات التحرر تتلاقى على الأهداف وتزول جميع الخلافات والفوارق أمام الاحتلال أو أي اعتداء، لأن القضية في نهاية الأمر تتعلق بالأمة والشعب والوطن، فلا يجب أن يهمل تحرير الوطن لمصلحة التشرذم، وفي النهاية أصبح الإنسان الفلسطيني هو أكبر الخاسرين . ففي عام 2004 اغتالت إسرائيل بدم بارد زعيم حركة فتح ومؤسس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات فقط لأنها وجدت أنه أوصل صوت القضية إلى مسامع العالم، وذلك ببزته المميزة وبترحاله الذي لم يكن يتوقف من بلد إلى بلد، ولم تتخذ حركة فتح موقفاً من إسرائيل رغم علمها بأنها وراء اغتيال زعيمها، كما أن في نهاية عام 2008 شنت إسرائيل عدواناً واسع النطاق على قطاع غزة فقتلت وجرحت الآلاف وأحدثت دماراً أشبه بالدمار الذي تحدثه الزلازل، وكبدت الفلسطينيين خسائر اقتصادية تصل إلى أربعة مليارات دولار، ولم تنجح حكومة حماس في دفع الأذى عن مواطنيها في القطاع . ولم يستنكر أحد في العالم ما فعلته إسرائيل كأن شيئاً لا يحدث .
والواقع أن الحركتين فتح وحماس قد فشلتا في إقناع الشعب الفلسطيني والشعوب العربية بمشاريعهما السياسية والإنقاذية لفلسطين . فلا حركة فتح حققت شيئًا من وراء لهاثها خلف السلام مع إسرائيل ولا حركة حماس رغم تقديمها آلاف المجاهدين، استطاعت أن توقف العدوانية الإسرائيلية، وقد بات لزاماً على الحركتين الالتقاء تحت شعار فلسطين أولاً وتحت إطار منظمة التحرير الفلسطينية التي تضم جميع شرائح وفعاليات ومكونات الشعب الفلسطيني، فمثل هذا اللقاء بات ضرورة وحاجة ملحّة، لأن الخلاف يشتت الجهود ويعطي إسرائيل الفرصة المناسبة لمواصلة بناء المستوطنات وقتل وتهجير ما بقي من الشعب الفلسطيني في الضفة والقدس .
ومع التقدير والإجلال الكبير للشهداء الفلسطينيين الذين سقطوا في سبيل تحرير فلسطين، فإن طرد المستعمرين الصهاينة من هذه الأرض هو أمر فوق قدرة الإنسان الفلسطيني، ف إسرائيل دولة مزودة بأحدث الطائرات والدبابات ولديها قنابل عنقودية وذرية وحارقة، وتملك أصنافاً أخرى من الأسلحة الفتاكة ويقف الغرب بكل جبروته من ورائها يمدّها بالعزة والسلطان . ولا شك في أن تحرير فلسطين هو فرض عين على كل عربي ومسلم وكل شريف في هذا العالم، لكن هذه المهمة ينبغي أن تحشد لها الطاقات والإمكانات ولنا في التاريخ مثال على ذلك، فعندما غزا الصليبيون المشرق العربي واستوطنوا ساحل سوريا من أنطاكيا حتى العريش عام 467 للهجرة وجدوا بيئة مناسبة للعيش بسبب ضعف الدولة الفاطمية في مصر آنذاك، وانتشار الدويلات والإمارات في سوريا والعراق . وعندما نهض صلاح الدين لجهادهم توصل إلى قناعة مفادها بأن الجهاد لن ينجح ما لم يتم توحيد مصر وبلاد الشام والعراق في دولة واحدة، وهذا ما فعله بعد أن قضى على الدولة الفاطمية عام 567 للهجرة فجمع مصر والشام والعراق في دولة واحدة تحت إشراف خليفة بغداد العباسي . وحشد الحشود وأنزل ضربة قاصمة بالصليبيين في معركة حطين في غور بيسان عام 583 للهجرة، ومن ثم تابع من جاء بعده من المماليك هذه الخطة إلى أن انتهى الوجود الصليبي عام 691 للهجرة . وهكذا فإن الإعداد الجيد للمعركة مع الصهاينة هو الشيء الذي يجب أن تتوحد عليه الجهود، وإلى أن يحدث هذا الأمر، فإن إسرائيل ستستمر في بناء المستوطنات وستستمر في التوسع، ولن يوقفها عن ذلك، حنكة هذا المسؤول من فتح أو ذاك من غيرها .
وستظل رؤوس الصهاينة تعبث بقيمة وبكرامة وآدمية الإنسان الفلسطيني على أرضه، التي يجتثون منها أشجار الزيتون من جذورها وينهبون محاصيلها على مدارج الريح السوداء وفتنة الحوار من الحدقات التائهة، وأصبحت تلك الأشجار كشواهد القبور بلا رؤوس تبكي ماضيها وحاضرها بالأماسي والغدايا، ولم يبق منها إلا الأطلال تفيض دمعاً وأسى الموت الأبدي بصمت العباب على جدران النهاية المتفجرة .
كاتب من الإمارات