استكمال حلقة ناقصة في التحرك التركي

04:20 صباحا
قراءة 4 دقائق

التقارب الذي تم بين الحكومة التركية وإقليم كردستان العراقي، يمثل إنجازاً جديداً لحكومة أردوغان وحزب العدالة والتنمية التركي. في الثلاثين من أكتوبر/تشرين الأول الماضي زار وزير الخارجية أحمد داود أوغلو أربيل، والتقى هناك رئيس الاقليم مسعود برازاني. وكشف الوزير أن بلاده تريد بناء علاقة جديدة مع الأكراد كما مع التركمان والشيعة والسنة في العراق. قد لا يستهوينا هذا التصنيف لمكونات الشعب العراقي، لما يحمله من تصنيف على أساس طائفي وعرقي، غير أن المهم في الأمر أن أنقرة باتت ترسل إشارات ايجابية نحو أكراد العراق ومن خلفهم أو أمامهم لا فرق، أكراد تركيا الذي يشكلون واحداً من أكبر الاقليات العرقية في بلاد الأناضول.

بهذا التحرك الذي يقوده رئيس الدبلوماسية الشاب أوغلو (تلقّى علومه في الجامعة الأردنية في سبعينات القرن الماضي)، يتم استدراك حلقة كانت ناقصة في التحرك التركي النشط تجاه العالم العربي والإسلامي. بل كان هناك نوع من الانطباع بأنه يتم القفز بصورة تكاد تكون متعمدة، عن العامل الكردي في المعادلة الإقليمية، والإقامة على الحل العسكري والأمني وهو الذي أرسته أحزاب حاكمة سابقة بالتعاون مع المؤسسة العسكرية التركية. ذلك أنه بعد تسلم حزب التنمية والعدالة الحكم فإن موجات ملاحقة حزب العمال الكردستاني التركي لم تتوقف في أراضي كردستان العراق، تماماً كما كان عليه الحال في الماضي، في سنوات الحكم العراقي السابق كما في مرحلة الاحزاب القومية التركية.

التقدم نحو معالجة هذا الأمر بمقاربة جديدة وإن لم تتضح ملامحها بعد، من شأنه أن يسهم في تغيير ملامح الشرق الأوسط. فحزب العدالة ظل مدعواً للبرهنة على أمتلاكه رؤية جديدة للمسألة الكردية في سياق رؤيته لتركيا جديدة ذات وشائج عضوية عميقة بالشرق الأوسط العربي والإسلامي. النجاح في التعامل مع هذا الاستحقاق ينفس الاحتقان الذي دام لثلاثة عقود في الحياة السياسية التركية، وأدى لاستنزاف بشري واقتصادي دفع الأتراك والأكراد أثماناً باهظة له.

الراجح والواضح أن المباحثات بين الخارجية التركية والقيادة السياسية لإقليم كردستان العراق، سوف تستكشف آفاق العلاقة المستقبلية ابتداء من معالجة الملف الأمني، والمقصود الاتهامات بتمركز قوات حزب العمال واجتياحات القوات التركية الدورية لأراضي اقليم كردستان.ما يحيل مجدداً على معالجة سياسية للمسألة تقطع الطريق على الحلول العنفية. كان حزب العدالة قد أطلق إشارات إيجابية نحو الأكراد في بلاده وبالذات لتمكينهم من استخدام لغتهم القومية وتداول ثقافتهم عبر منابر إعلامية وربما مدارس خاصة بهم.وهو ما يفترض رد التحية من حزب العمال السري، باتجاه الكف عن العمل العسكري مترافقا مع تعهدات تركية رسمية مماثلة. وليست هناك قوة سياسية مؤهلة لاجتراح مثل هذا الحل أكثر وأفضل من حزب العدالة ذي الجذور الاسلامية، في مقاربته لمشكلات أقلية قومية مسلمة هي الاكراد الذين يشكلون نحو 15 مليون نسمة من نفوس الأتراك، فيما تمتنع السلطات التركية عن تحديد أعداد هؤلاء، وتصر على اعتبارهم أتراكاً كغيرهم من الأقليات والطوائف. وهم كذلك على وجه من الوجوه، غير أن إرث العداء والحلول العسكرية التي أفقرت ذوي الأصول الكردية، يدفع نحو التعامل مع المشكلة كما هي عليه، إذ إن نزعة الاستئصال تغذي اللجوء الى الهوية الأولى. هذا دون إغفال أن المجتمع السياسي الكردي أفرز ممثلين له في البرلمان التركي عبر الحزب الديمقراطي حيث يحتل 23 عضوا منه مقاعد في البرلمان. ما يؤشر الى حزب العدالة بقيادة اوجلان المعتقل منذ أواخر القرن الماضي، ليس الممثل الشرعي الوحيد للكتلة الكردية.

أما الجانب الآخر من الصورة والمتعلق بأكراد العراق، فإن إنجاز حل يعالج مشكلات أشقائهم في تركيا، يرفع عبئاً عن القيادة السياسة في إربيل، وبالذات في المجال الأمني. وينبغي أن لا يدفع الانفراج المتوقع الى تعظيم نزعات التمدد ومعها النزعات الاستقلالية. وواقع الأمر أن الحكومة المركزية في بغداد هي التي سعت الى تجنيب الشمال الكردي ويلات الاجتياحات التركية، وذلك عبر اتصالات مكثفة دارت طيلة الأعوام الثلاثة الماضية بين انقرة وبغداد. وذلك يقضي من الجانب الكردستاني وعلى أبواب الانتخابات التشريعية المقررة في عموم العراق منتصف يناير/كانون الثاني المقبل، التخفيف من المطالبات بضم كركوك الى إقليم كردستان. إذ إن التعلل بأن غالبية السكان من الأكراد يماثل تعلل النظام العراقي السابق بأن غالبية السكان في المدينة هم عراقيون عرب.

الصحيح ان كركوك مدينة مختلطة وهي من أكثر مدن العراق التي تشهد على حال التنوع الذي يسم الواقع الديمغرافي. والنجاح في تكريس هذه الهوية المختلطة سوف يسجل نجاحاً لجميع أطراف العملية السياسية في الاعتراف بهذا الواقع وتزكيته، وكشاهد على التعددية الأكبر التي تشمل سائر المناطق.لقد تحدث أوغلو في زيارته عن التركمان في كركوك، وفي ذلك رسالة لجميع الفاعلين بأنه ليس للمدينة هوية عرقية أحادية.

وعليه فإذا كانت هناك ارادة سياسية في أنقرة للشروع في معالجة رشيدة وديمقراطية للمسألة الكردية في الداخل التركي، فإن هذه المسألة ينبغي أن تشهد مزيداً من الانفراج في الجوار العراقي لا الجنوح الى التعقيد والتوتير، وذلك بعدم التعدي على السلطة المركزية في بغداد، وعدم إغفال وجود المكونات الأخرى ومنها المكون التركماني.

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"