اشتراكيو إسبانيا من الفوز “الممنوح” إلى الفوز المستحق

12:20 مساء
قراءة 5 دقائق

أسفرت الانتخابات التشريعية التي شهدتها اسبانيا في التاسع من مارس/آذار الجاري عن فوز واضح للحزب الاشتراكي العمالي، وعلى الرغم من أن هذا الفوز الجديد لا يختلف من حيث قوته عن فوز سنة ،2004 فإنه يختلف عن هذا الأخير كثيراً من حيث دلالته، ومن حيث تأثيره المرتقب في أداء الحزب الشعبي المعارض، ومن حيث تعزيزه للمسار الإصلاحي الاسباني.

لقد جاء انتصار الاشتراكيين العماليين الاسبان سنة 2004 مفاجئاً ومعاكساً لنتائج استطلاعات الرأي التي تواصل الإعلان عنها إلى غاية العاشر من مارس/آذار من نفس السنة. ولكن تفجيرات محطة قطارات الضواحي بالعاصمة مدريد في نفس الشهر، وتوجيه حكومة الحزب الشعبي اتهامات كاذبة إلى منظمة ايتا الانفصالية بالضلوع في هذه التفجيرات أثارا حفيظة الشارع الاسباني وأديا من جهة أولى إلى مشاركة قياسية في الاقتراع، ومن جهة ثانية إلى معاقبة الحزب الشعبي، الذي كان يقود الحكومة المنتهية ولايتها، وحرمانه من الفوز المحقق، وذلك بعد ضبطه متلبساً بالكذب على المواطنين في موضوع التفجيرات الارهابية.

وعلى الرغم من أن موقف الاشتراكيين العماليين المعارض للحرب على العراق وللمشاركة الاسبانية في هذه الحرب كان معروفا مثلما كان معروفا التزامهم بسحب الجنود الاسبان من بلاد الرافدين في حالة فوزهم بانتخابات ،2004 على الرغم من ذلك وغيره فإن الشعبيين لم يهضموا ما حصل، واعتبروا أن خصومهم الاشتراكيين العماليين لم يفوزوا إلا بمساعدة أطراف خارجية، بل بمساعدة أسوأ هذه الأطراف ممثلة في تنظيم القاعدة. وإذا كان الحزب الشعبي، خلال السنوات الأربع الماضية، قد تجاوز كثيرا حدود الممارسة السياسية المعارضة المتعارف عليها، وشن حروباً شرسة ومتواصلة شهرّت بالأشخاص في الحكومة الاشتراكية السياسية المعارضة المتعارف عليها، ودأب على تجريحهم، واعتبرهم خطراً على وحدة البلاد وعلى لغتها وعلى تماسك مجتمعها، فإن الأمر في ذلك لا يعود فقط إلى عجرفة العديد من مكونات الحزب المذكور المنحدرة من الأوساط الفرانكوية الفاشية التي تعتبر نفسها الأحق بحكم اسبانيا، بل يعود كذلك إلى شعور هؤلاء بأن الحزب الاشتراكي العمالي حظي بفوز لم يكن يستحقه.

أما اليوم، فإن فوز الاشتراكيين العماليين ب169 مقعداً في المجلس النيابي المكون من 350 مقعداً، واحتلالهم للمركز الأول في ترتيب الأحزاب السياسية، وتأهل قائدهم خوسي لويس ثاباتيرو لتشكيل الحكومة المركزية الاسبانية، يفرض على خصومهم في الحزب الشعبي، الذين حصلوا على 153 مقعداً نيابياً، أن يعيدوا النظر في تقديرهم للفائزين، وأن يقروا، هذه المرة على الأقل، بأن فوز خصومهم جاء فوزا مستحقا، استند إلى حصيلة منجزاتهم أولا، وثانيا إلى البرنامج الذي قدموه من أجل حصيلة مستقبلية أفضل. وبالإضافة إلى ذريعة الفوز الممنوح استخدم الحزب الشعبي ضد غريمه الاشتراكي العمالي ورقة مهادنة الإرهاب والاستسلام له، عندما قرر الوزير الأول المنتهية ولايته أن يرد بالإيجاب على إعلان منظمة ايتا الباسكية الانفصالية عن هدنة غير محدودة من جانبها في ربيع 2006. وأقام الشعبيون الدنيا وأقعدوها ضد الحكومة المركزية، وجندوا، في هذا الشأن جمعية أسر ضحايا إرهاب تلك المنظمة، ونظموا المسيرات الضخمة.

ولكن السياسة الحازمة التي اعتمدتها حكومة ثاباتيرو ضد منظمة ايتا بعد عودة هذه الأخيرة إلى غيها في نهاية سنة ،2006 والتعاون الأمني القوي الذي لجأت إليه مع الحكومة الفرنسية ضد المنظمة المذكورة، والنتائج المهمة التي تم الحصول عليها بفضل هذا التعاون، والضربات القوية التي وجهت إلى الواجهتين السياسيتين للمنظمة الإرهابية، أعاد الأمور إلى نصابها، وحرم الحزب الشعبي من مواصلة استخدام ورقة الإرهاب، وفرض عليه العودة إلى الإجماع الاسباني في مواجهة إرهاب ايتا والمشاركة جنباً إلى جنب مع الحزب الاشتراكي العمالي في التظاهرات المناهضة للإرهاب. واستخدم الحزب الشعبي ضد غريمه الاشتراكي العمالي ما سماه التساهل مع الحركات القومية المتطلعة إلى المزيد من الاستقلالية، وخصوصاً في منطقة الباسك وجهة كاتالونيا. ولكن هذه الورقة لم تفد الحزب الشعبي بقدر ما أفادت الحزب الاشتراكي العمالي الذي تحسنت مواقع امتداداته الحزبية في الأقاليم المتطلعة إلى صلاحيات استقلالية أوسع. ووجد الحزب الشعبي ضالته في المؤشرات التراجعية التي بدأت تظهر في الآونة الأخيرة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي متمثلة على الخصوص في عودة نسبة البطالة إلى بعض الارتفاع بعد سنوات من الانخفاض، وفي ارتفاع عدد من أسعار المواد المعيشية أسوة بما يحدث في بعض جهات مختلفة من العالم بعد اشتعال أثمان الطاقة وبعض المنتوجات الغذائية. وعلى الرغم من أهمية التراجعات المذكورة وارتباطها باستنفاد إمكانيات توسع الأنشطة العقارية التي تواصل ازدهارها المطرد منذ أكثر من عشر سنوات، وارتباطها، كذلك بالتطور العالمي، على الرغم من ذلك فإن الاشتراكيين العماليين يدركون أهمية التحديات التي سيواجهونها على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، وعرضوا على ناخبيهم جملة من الإصلاحات التي يلتزمون بتنفيذها لمصلحة الأجراء والشباب والنساء وذوي الدخل المتدني.

ولم يقف الشعبيون عند استغلال الورقة الاقتصادية الاجتماعية على أوسع نطاق، بل اندفعوا بتأثير من النزعة اليمينية المتطرفة والعنصرية الكامنة في توجهاتهم بحكم أصولهم الفرانكوية الفاشية، وامتشقوا سلاحاً جديداً في حربهم ضد الاشتراكيين العماليين، ألا وهو سلاح الهجرة التي يزعمون أنها تجتاح بلادهم، بتشجيع من غرمائهم، وتزاحم الاسبان في العمل وفي الخدمات الاجتماعية العمومية، وتهدد أمنهم وسلامتهم، وتغذي التطرف والإرهاب في ديارهم. وقد نظر الكثير من المراقبين إلى الطريقة الديماغوجية والعنصرية والكارهة للإسلام التي استخدمت بها ورقة الهجرة في الانتخابات التشريعية الاسبانية، باعتبارها دليلاً خطيراً على استعداد الحزب الشعبي لاقتراف المنكرات في سبيل العودة إلى الحكم.

وعلى الرغم من أن الاشتراكيين العماليين والمنظمات النقابية والجمعيات المدنية قد وضعت أمام الاسبان معطيات مادية ثابتة تفند ادعاءات الشعبيين، وتبرر المساهمة الفعالة للمهاجرين في تحسين نسبة النمو الاقتصادي، ونسبة النمو الديمغرافي، وفي إنقاذ مؤسستي الضمان الاجتماعي والتقاعد، على الرغم من ذلك، فإن الحزب الشعبي قد يكون حصد عشرات آلاف الأصوات بواسطة الاستخدام الديماغوجي لورقة الهجرة، وقد يغريه هذا الحصاد مستقبلا بالتمادي في هذا الاستخدام. وعلاوة على ما سبق استند الحزب الشعبي في حربه الضروس ضد غريمه الاشتراكي إلى الاستنفار القوي والمثير الذي أعلنته الكنيسة ضد هذا الأخير وضد إصلاحاته الاجتماعية والأسرية والتربوية، وإلى الدعوة الصريحة التي وجهتها هذه الأخيرة للتصويت ضد الاشتراكيين العماليين. ويبدو أن نجاح الاشتراكيين الاسبان في الصمود في وجه كافة الزوابع التي هبت ضدهم من اليمين المحافظ والإرهاب الباسكي والكنيسة الكاثوليكية، وفي تحقيق فوز انتخابي واضح، لا يؤكد جدارتهم بتدبير الشؤون العامة لبلادهم فحسب، بل يؤكد كذلك تجاوب أغلبية المواطنين مع الإصلاحات الجريئة التي تحدت الهيمنة الكنسية والبعبع الفرانكوي، وحسنت شروط حياة النساء والشباب، ويؤكد أيضاً تطلع هذه الأغلبية إلى توسيع وتعميق تلك الإصلاحات.

* كاتب مغربي

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"