يبدأ الاهتمام الشديد بقراءة التاريخ ودراسته خلال الأزمات الكبرى، فالأخطار التي تهدد الحضارة الإنسانية سرعان ما ترغم الأمم على الإمعان في نشوء الحضارات وسقوطها، وتشخيص علل الأفكار ومعالجة معضلاتها الأمر الذي يمثل الشرط الأساسي للحفاظ على بقائها . ويعود ذلك الى ظهور بوادر الانحلال الذي بدأ يدب في الحضارة الغربية وكأنها أوشكت على أن تلفظ أنفاسها الأخيرة مع اضمحلال المقومات التي امتلكتها قبل مئات السنين، لكن ذلك لا يعني أنه محكوم عليها بالسقوط حيث إن بإمكان الإرادة البشرية الحرة التي تعزم على الصمود أمام المخاوف أن تنسج الأمل من جديد على نور التفاؤل، وتغير المسار وتتجنب مسببات السقوط والاندثار، فالأزمات والنكبات كانت حافزا للخروج من الماضي وصياغة واقع يتفق مع الأهداف والغايات الراهنة والسير نحو المستقبل، ولهذا ستسود العزيمة والبديهة والموهبة العلمية .
وبما أنه ليس ثمة طريق واحد للتقدم التطوري، ستنتقل المجتمعات البشرية من نماذج حضارية أقل اكتمالاً إلى نماذج أخرى منذ الحضارات الإنسانية التي شهدها التاريخ العام وحتى الحضارة الغربية، ويعكس التاريخ تطور العقل البشري نحو تحقيق الكمال والإسهام في تقرير مصيره وتحديد معراج تساميه إلى مبدأ الخير، والوصول الى الكمال الأخلاقي وتيسير التلاقح بين ثقافات الأمم في عصر تجاوزت أممه وشعوبه مرحلتي التعارف والتعاون الى مرحلة التكامل، حيث شكلت الحضارة المنبثقة من أعمق أعماق الروح البشرية وحدة الدراسة للتاريخ العام الكائن تحت سيطرة المصير الذي ينظم الحياة المتغيرة، وأُعتبرت شعوبها الرموز الأولية وحملة مشاعل الحضارة لكونها الوحدات الروحية التي تناضل بشكل مستمر لضمان بقائها وتوفر بمساعيها معنى في غاية العمق للحضارة وترتبط بالجوانب الإنسانية وتهتم بكل ما من شأنه أن يرتقي بالبشرية وتجعل من القيم والمعاني النبيلة ركائز أساسية لها .
ويتوجب عند دراسة تاريخ الحضارات بما فيها الحضارة المصرية والإغريقية والرومانية والعربية الإسلامية والغربية النظر اليها كوحدة مترابطة الأجزاء والمظاهر بوصفها كلاً متكاملاً، ذلك التكامل المنطقي الذي يمثل أصغر جزيئات الحضارة . إن نشاطات وأعمال تلك الشعوب قد جسدت حضاراتهم حيث كانوا يؤمنون بقيم خاصة طبعت عصرهم بطابعها الخاص في السياسة والاقتصاد والدين والأخلاق والفن والأدب والعمارة، ولذا يغدو من الإجحاف الحديث عن انحلال أو موت الحضارات، فثمة مفهوم مركزي لحياة الشعوب المنتمية لتلك الحضارات يجعلهم يعيشون في ظلالها ويساندونها . فالحضارة تولد ذاتها بذاتها وتتبدل وتتغير وفقا للمذاهب الحضارية والعلل الكامنة من ورائها .
وفي ظل الظروف المريرة التي عاشتها البشرية خلال العقد الأول من القرن ال،21 تسعى الدول الكبرى الآن الى إعادة رسم سياساتها تجاه العالم . ففي مقابلة مع الصنداي تليغراف، أشار وليام هيج وزير الخارجية البريطاني إلى اعتزامه تغيير السياسة الخارجية السائدة طوال العقود الماضية والتي شهدت تقسيم العالم إلى ثلاث كتل رئيسية: الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والشرق الأوسط، وأكد أن الأيام التي كانت تحرص فيها بريطانيا على ملاحظة تأثير أي قرار لها على الولايات المتحدة والشرق الأوسط والاتحاد الأوروبي قد ولت . وأضاف أن بريطانيا ستركز في الفترة القادمة في سياساتها على صياغة هوية عالمية جديدة متميزة مع دول أخرى ناشئة مثل البرازيل والهند وتشيلي ودول الخليج، فبلاده تهتم الآن في علاقاتها بالدول التي بمقدورها أن تلعب دوراً أكبر في قضايا العالم المختلفة . وتمثل هذه الاستراتيجية أكبر تغيير في سياسة دولة كبرى منذ الحرب العالمية الثانية، وتغييراً لمجرى التاريخ والواقع في حينه الملائم، وفقاً لما تقتضيه الأوضاع الراهنة عقب استرجاع ودراسة التجارب الماضية وذلك حتى لا تتحول البشرية الى خطوط النهاية لسفر المأساة ونهاية الإنسان .
ولفهم الحاضر والتنبؤ بأحداث المستقبل ينبغي الاسترشاد بالماضي والاسترداد خارج الزمان، فحالة الاسترداد قد تكون تلت حالة الشر، ومعنى هذا ان وجود زمان يناظر الاختيار الأولي للشر، ذلك أن التحول أمر احتمالي، وأن المسافة بين الخير الذي يجب على البشرية تحقيقه وبين الشر الذي تنطلق منه الحروب في العراق وفلسطين والحروب الأهلية في بعض الدول كالصومال وغيرها، والحرب في أفغانستان تلك الدولة بتضاريسها المعقدة في التاريخ والجغرافيا، وشعبها المحارب الذي أفشل جميع الدول التي غزتها وآخرها الاتحاد السوفييتي الذي خرج الى الهزيمة وزوال دولته العظمى، ولو أن الدول الغربية وفرت مبالغ تكاليف تلك الحرب في إعمار أفغانستان كما فعلت مع اوروبا بعد الحرب العالمية الثانية لكان شبح التطرف والإرهاب قد زال، وتم توفير الكثير من الأرواح والأموال . وهذا ما أكدته دولة الإمارات العربية المتحدة على لسان وزير الخارجية سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان الذي شارك في قمة حلف الناتو التي عقدت في العاصمة البرتغالية لشبونة يومي 19 و20 نوفمبر/تشرين الثاني ،2010 بأن هم الإمارات الأول مساعدة أفغانستان على ارتقاء سلم الاستقرار والأمن والازدهار الاقتصادي . واعلن سموه عن استضافة الإمارات أول مؤتمر دولي للاستثمار في أفغانستان، والذي ستكون رئاسته مشتركة مع الحكومة الأفغانية، وذلك في دبي يوم 30 نوفمبر الجاري بهدف تفعيل الأنشطة الاقتصادية وترسيخ العلاقات بين القطاعين الحكومي والخاص في المشاريع الاستثمارية على المدى الطويل، وأكد سموه إن أمن وإستقرار أفغانستان هو كالنواة التي ينطلق منها أمن واستقرار المنطقة، والإمارات جزء من هذه المنطقة .
ويأتي التزام دولة الإمارات من باب الحرص على تحمل المسؤولية باقتدار في المشهد السياسي نظراً للأوضاع التي تحياها المنطقة وتعيشها الشعوب، وقد جاءت دعوة سمو الشيخ عبدالله بن زايد لعقد هذا المؤتمر في دولة الإمارات من حسن إدراكه لمكانة الدولة، وهذا الموقف خليق بالسمو بالروح والارتفاع بفيض إقامة الصلات الودية والتعايش بسلام مع أبناء البشرية بكل وجوهها والنزوع الى اللانهائي في إضاءة سبل الخير والتعاون من خلال النظر والاهتمام بشؤون العالم والاضطلاع بالمسؤوليات من واقع الحرص على هذه الأمة وتسخير علاقاتها المتميزة بدول العالم وتأثيرها المباشر في الاقتصاد، فهي تقوم على أسس وثوابت ومقومات إنسانية تسهم في صنع الأمن والاستقرار في العالم .
كاتب من الإمارات