الانتخابات الأمريكية ومنظومة القيم الغربية

05:53 صباحا
قراءة 4 دقائق

يعيش العالم حالياً أزمة مستحكمة في تجليات الضمير العالمي، هذه الأزمة ذات جذور اجتماعية وسياسية معاً، ونشأت بفعل آلية التكنولوجيا في بناء فكري ومنهجي محكمين في طبقات تراتبية، وحلقات ميكانيزمية، واختراقات فضائية معرفية والإنترنت . هذه التكنولوجيا التي ترسخ التبعية وتعمل تدريجياً على تهميش الدين كمكون رئيس للحياة واحتلاله موقعاً ثانوياً في المجتمعات الحديثة، وتركز جوهر هذه الحداثة على استخلاص الفرد الفاعل المستقل في إطار السياقات الاجتماعية الكلية التي تذوّب فرديته كالأسرة، وجعلت من النسق السياسي والثقافي والديني، ومن الحياة الخاصة، دوائر منفصلة لإزاحة الدين من المجتمعات، هذه الاستقلالية من شأنها، دون شك، أن تتحقق على حساب تراث الديانات السماوية، فالعالم الواسع والشاسع يتبدل ويفرز في مسار هذا التبدل قوانين ونظماً وتوجهات فكرية جديدة . كما أن العالم يواجه هزة علمية تفرضها حقائق العلم .

والمتأمل لتأييد الرئيس الأمريكي أوباما لزواج الشواذ ليصبح بذلك أول رئيس أمريكي يتبنى في أثناء ولايته مثل هذا الموقف عندما قال لشبكة أيه بي سي#171;، إنه توصل إلى هذا الاستنتاج بعد طول تفكير، وبعدما رأى أعضاء في فريقه يعيشون علاقات مماثلة ووثيقة ويربون أطفالاً معاً . وأضاف أن موقفه بهذا الصدد تبدل بعدما ناقش الأمر مع ابنتيه اللتين لديهما أصدقاء أهلهم من مثليي الجنس .

وكان استطلاع أجراه معهد غالوبأوضح أن 50% من الأمريكيين يؤيدون زواج الشواذ الذي تحول إلى موضوع الساعة ونقطة الجدل والنقاش في أوساط الشعب الأمريكي وداخل ردهات الحملات الانتخابية لمرشحي الرئاسة في المعسكرين الديمقراطي والجمهوري، وخصوصاً في الولايات الجنوبية المحافظة، فإعلان أوباما أنه يؤيد زواج الشواذ - بعد سنوات من التردد - أربك الحسابات، حيث رحب المدافعون عن حقوق الشواذ بموقف أوباما الجديد، بينما عبّر خصومه والرافضون لهذا الاتجاه عن خيبة أملهم واندهاشهم من موقف الرئيس الأمريكي . ومن جهته رأى رئيس المؤتمر الأمريكي للأساقفة الكاثوليك الكاردينال تيموثي#171;، أن تصريحات أوباما مؤسفة جداً، ولكن تبين أن هذه التصريحات قد رفعت من شعبية أوباما في أغلب الولايات المتحدة الأمريكية، ومن المرجح أن يتم انتخابه لولاية ثانية، خصوصاً بعد المناظرة التلفزيونية الثالثة الحادة والمثيرة، تلك التي جمعت الرئيس أوباما والمرشح الرئاسي ميت رومني الأسبوع الماضي بولاية فلوريدا، والتي تفوق خلالها أوباما على رومني، وفقاً لأحدث استطلاعات الرأي العام الأمريكية، حيث إن نسبة 53% من الناخبين أيدوا الرئيس الحالي مقابل 23% فقط أيدوا رومني، في حين أعلنت صحيفة نيويورك تايمزتأييدها إعادة انتخاب أوباما في الاقتراع الرئاسي في السادس من نوفمبر/تشرين الثاني الحالي . وقالت الصحيفة العريقة إن دعمها لأوباما جاء لأسباب عدة، منها إدخاله إصلاحات على النظام الصحي، وإنهاؤه الحرب في العراق .

في ظلّ هذه الأجواء الملبدة بغيوم الضبابية السياسية والاجتماعية، يُرى أن طبيعة الحياة العائلية في الغرب خلال العقود الثلاثة الماضية، بشكل كبير، قد تبدلت - بسبب التطور السريع الخطى- تبدلاً غير مسبوق في أساليب الحياة العصرية، واختلاف مفهوم كيان الأسرة اختلافاً كبيراً، فلم يعد من المعهود أن تُعرفَ العائلة على أنها مجموعة أفراد تتكون من زوج وزوجة وأولادهما، بل غدت تصنف كعائلة ثنائية التكوين من أشكال متعددة، فقد تكون عائلة ثنائية التكوين من أب وأم مطلقين أو يعيشان معاً خارج نطاق الزواج، أو أن تكون عائلة أحادية التكوين من أب بمفرده . وهذا ما أشارت إليه سجلات دوائر الإحصاء إلى أن المتزوجين أصبحوا يشكلون أقلية في المجتمع الغربي، وغدت ظاهرة معيشة الرجل مع امرأة في ظل علاقة لا تخضع للزواج في ازدياد مستمر، حيث ارتفعت بنحو 64% خلال العشر سنوات الماضية، فأصبح نصف المواليد الجدد يولدون من علاقات خارج نطاق الزواج . كما أن الأرقام تشير إلى أن نسبة حالات الطلاق في ازدياد، وتوجد نسبة كبيرة من الأمهات الوحيدات اللاتي لهن أطفال، ويعشن معهم بمفردهن، فأضحى ربع أعداد الأطفال يعيشون في رعاية أم وحيدة تخلى عنها والد أبنائها، وقد ارتفعت نسبة العزاب من الجنسين إلى أكثر من 50%، إذ إنهم يفضلون البقاء في وضع العزوبية على الزواج، لما يتبعه من رعاية للأولاد ومسؤوليات مالية ومعنوية .

العالم العربي يواجه اليوم هذا الجو المحموم بمشكلة النزاع بين العلم والدين، فالمعتقدات الدينية تشكل جزءاً لا يتجزأ منه، ومن الأمور الجوهرية التي يشدد عليها الدين الإسلامي، أن الحقائق الأساسية جميعاً التي تمس حياة الإنسان في الصميم تتعلق بمصيره في الدنيا والآخرة، ثابتة في الحقائق الأزلية، وفي تنظيم العلاقات الاجتماعية، ولذلك لا يمكن طمس أو تنحية هذا الدين، أو التفريط فيه، لأن العالم العربي لا يمكن أن يعيش في فراغ كوني، ولا يمكن اعتباره عالماً منفرداً بذاته منكفئاً على واقعه، من دون أن يكون جزءاً من الكرة الأرضية بكل ما فيها من عوالم ومتغيرات وحقائق . وفي عصر علمي شامل، وعقل إلكتروني لا يغيب عنه شاردة ولا واردة، فإن الواقع يفرض على العالم العربي أن يواجه هذه التحولات الأسرية الخطرة، بالمحافظة على القيم التربوية الأخلاقية التي تُحصّن المعرفة العلمية، والمناهج العقلية، والمعرفة في الاتجاهات الاقتصادية والسياسية والثقافية كافة في المجتمع . وذلك وفق المنهج العلمي القائم على الملاحظة والتجريب والاستدلال، وبما يتوافق مع المعتقدات الدينية، فلا صراع بين العلم والدين، فصريح المعقول لا يتعارض مع صحيح المنقول، فالدين من الله، والله هو الحق، ولا يصدر عن الحق إلا الحق .

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"