البحث عن قاطرة تقود العمل العربي المشترك

01:20 صباحا
قراءة 5 دقائق
في سياق التحضير لمؤتمر القمة العربية في دمشق وتذليل العقبات التي قد تعرقل انعقاده ونجاحه، أشارت أوساط عربية إلى احتمال عقد قمة عربية مصغرة في القاهرة خلال شهر شباط/فبراير الحالي. الغرض الرئيسي من القمة هو، كما ألمحت هذه الأوساط، تلطيف أجواء العلاقة بين دمشق والرياض، خاصة بعد أن عكرها تعثر المبادرة التي أطلقها مؤتمر وزراء الخارجية العرب لحل المشكلة اللبنانية. فالرياض تعهدت هذه المبادرة بالاهتمام والدعم، أما دمشق فإنها اتهمت، خاصة في أجواء الأكثرية الحاكمة في لبنان، بأنها زرعت الأفخاخ في طريق هذه المبادرة.مهما كانت الأسباب التي حدت بالذين أطلقوا اقتراح القمة، وسواء كان الاقتراح في الأصل أردنياً أم مصرياً، فإن الاقتراح سليم ومفيد بمعايير كثيرة. إنه اقتراح مفيد وبناء لأنه يخدم العمل العربي المشترك ما دام يحسّن العلاقات بين دولتين عربيتين تتمتعان بدور إقليمي مهم. وهو يخدم العمل العربي المشترك لأنه يسهل انعقاد القمة العربية المقبلة. إن دورية القمة هي مكسب عربي مهم ينبغي الحفاظ عليه بأي ثمن. والنهوض بالعلاقات بين الرياض ودمشق مهم في ميزان مؤسسة القمة العربية. فالعرف يقضي هنا بأن يكون للقمة ما يشبه المجلس الرئاسي الذي يضم عادة ثلاثة قادة عرب: رئيس القمة الحالي الذي سوف يكون، ابتداء من شهر آذار/مارس المقبل الرئيس السوري بشار الأسد، والرئيس السابق للقمة الذي سيكون عندها عاهل السعودية الملك عبدالله بن عبد العزيز، والرئيس المقبل للقمة-أي قمة عام 2009 الذي يفترض أن يكون رئيس جمهورية الصومال. فمن المهم أن تكون العلاقة بين عضوي المجلس الرئاسي المفترض علاقات سوية ووثيقة.إن الضرورات تفرض أيضاً أن يفوض هذا المجلس الرئاسي، في حالات الطوارئ، باتخاذ قرارات سريعة بالنيابة عن مجموع الدول العربية وإلى أن تجتمع القمة العربية بكافة دولها وأعضائها فتتبنى هذه القرارات أو تعيد النظر فيها. وإذا اجتمعت في هذا المجلس الرئاسي المفترض دول تملك طاقات وامكانات بشرية ومادية وسياسية يمكن تسخيرها في مواجهة تحديات استراتيجية-أمنية أو اقتصادية أو سياسية أو ثقافية تواجه المنطقة العربية بصورة عامة، وإذا كانت العلاقات بين الدول الثلاث التي يضمها هذا المجلس علاقات تعاون وتفاهم وثيق، كما كان الأمر بين مصر والسعودية وسوريا خلال عقدين ماضيين، فإنه من المستطاع تحويل هذا المجلس إلى قاطرة مناسبة للعمل العربي المشترك. بيد أن الفرق بين المجلس الرئاسي المرتجى وبين الترويكا الرئاسية العربية كما هو الأمر راهنياً ناشئ من نمط تداول رئاسة القمة العربية، فالرئاسة دورية ولا تقتصر على القوى العربية الإقليمية وعلى الدول العربية التي تملك القدرة على التحرك النشيط والفعال على المستوى الإقليمي مثل الدول الثلاث. على العكس من ذلك، فأحياناً قد يصل إلى رئاسة القمة حاكم عربي لا يملك التصرف المستقل حتى في شؤون بلده نفسه، فتضعف معه الرئاسة ومؤسسة القمة والعمل العربي المشترك. هذا كان النقد الرئيسي الذي وجه إلى الرئيس اللبناني السابق العماد إميل لحود عندما تولى لبنان رئاسة القمة. وسواء كان هذا النقد صحيحاً أم لا- والأرجح أنه انطوى على الكثير من المغالاة- يبقى صحيحاً أن المجلس الرئاسي العربي المفترض قد لا يتمكن من الاضطلاع بالدور المتوقع منه، خاصة في الحالات الطارئة التي تتطلب قرارات سريعة وحاسمة. إذاً كيف يمكن تعزيز فعالية القمة العربية واستطراداً النظام الإقليمي العربي؟ كيف يمكن تطوير قدرته على رسم الاستراتيجيات واختيار الأولويات، هذا فضلاً عن قدرته على تطبيق المقررات التيتتخذها القمة أو مؤسسات العمل العربي المشترك؟شغلت هذه المسألة الأفراد والهيئات المعنية بمستقبل النظام الإقليمي العربي، ومن هذه الهيئات رابطة أصدقاء جامعة الدول العربية التي تأسست في أواخر التسعينات، وخرج منها اقتراح صيغ في نهاية التسعينات في مقالات نشرت في الصحافة العربية حول ضرورة تطوير مؤسسة القمة عن طريق تكوين مجلس أمن عربي تتوفر له القدرة على الاضطلاع بدور قاطرة العمل العربي المشترك. واقترح أن يضم هذا المجلس بصورة دائمة الدول/القوى العربية الإقليمية وهي تحديداً مصر، السعودية، سوريا، العراق، المغرب والجزائر، على أن تضاف إليها دولتان عربيتان يجري انتخابهما من قبل مجموع الأعضاء كل سنة.كان وراء هذا الاقتراح اعتقاد بأن الدول العربية الرئيسية التي تتحمل عادة، أو كما تفرض تقاليد العمل الجماعي، العبء الرئيسي في تنفيذ المقررات، سوف تدرسها بعناية أكبر وبالتالي تقل نسبة القرارات التي تصدر عن القمم لهدف وحيد هو إرضاء الرأي العام العربي حتى إذا فعلت مفعولها سحبت من التداول وأسبغ عليها ستار النسيان والإهمال. كذلك كان وراء هذا الاقتراح الاعتقاد بأن التفاهم والتعاون بين مسؤولي الدول العربية الرئيسية له تأثير كبير في سير العمل العربي المشترك. تدعيماً لهذا المنحى فقد جاء في الاقتراح أنه من الضروري ان يعقد المجلس ثلاثة مؤتمرات في السنة حتى يتمكن من الاضطلاع بأعماله، هذا فضلا عن الاجتماعات الطارئة التي قد يضطر إلى عقدها. ولم يكن من المغالاة الاعتقاد بأن هذه الاجتماعات المتكررة تقرب المسؤولين العرب من بعضهم البعض وتوطد بينهم علاقات التفاهم.أبدت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية شيئاً من الاهتمام بهذا المشروع في حينه، ولكنها لم تحاول القيام بأية خطوة حتى بادرت الخارجية المصرية إلى تبنيه وتسويقه بين الدول العربية، فأخرج إلى النور في قمة الخرطوم عام 2006. ولكن هل يلبي المجلس حاجات العمل العربي المشترك؟ هل يتضمن الحلول للمعضلات التي يعاني منها العمل العربي الجماعي؟ أعاد المجلس الذي تأسس عام 2006 إلى نقطة البداية. فهو يتكون من خمسة أعضاء منهم رؤساء القمة العربية الحالي والسابق واللاحق. هذا التدبير المجزوء يبقي المشكلة مطروحة إذ إنه ليس من المؤكد أن تمتلك الدول الممثلة في المجلس القدرات المطلوبة. ولعله من المستطاع أن تكون القمة المصغرة مدخلاً إلى تصحيح صيغة مجلس الأمن العربي بحيث يتفق على وضع صيغة جديدة له. والمأمول هنا أن تتجه هذه الصيغة إلى الاتفاق على عضوية دائمة للمجلس من الدول العربية التي تصنف عادة بأنها من القوى الإقليمية. هذا التصنيف لا يعطي هذه الدول حقوقاً لا تتمتع بها الدول الأعضاء في الجامعة، ولكنه يرتب عليها مسؤوليات أكبر. وهذه المسؤوليات لا تضير الدول التي تتحملها عادة. صحيح أنها تحملها أعباء أكبر من تلك التي تتحملها الدول الأصغر، ولكنها تعوض ذلك عندما يصلب عود التكتل الإقليمي الذي ترعاه وتضحي من أجله، فهي تكبر معه وتصبح أكثر قدرة على صيانة مصالحها بفضله. * كاتب لبناني

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"