التدخل العسكري الدولي في مالي

05:43 صباحا
قراءة 4 دقائق

المستقبل المرتقب مخيف، ونذر الحرب تبسط أجنحتها السود في الصحراء الكبرى، فكل شيء أصبح قابلاً للاشتعال في عموم منطقة الساحل الصحراوي، بسبب الخطايا الفادحة التي اقترفها الإسلاميون المتطرفون في شمالي مالي من اختطاف للأبرياء، وبخاصة السائحون، ونشر القتل والخراب والتدمير، ومحاولتهم السيطرة على الصحراء الكبرى، وإبقائها ميداناً لهوايات القضم والقسر والإرهاب، ومجالاً للاختراق الخارجي، وساحة لعلاقات التبعية السياسية والعسكرية . وقد تبنى مجلس الأمن الدولي يوم السبت 13 أكتوبر/ تشرين الأول ،2012 وبالإجماع، قراراً صاغته فرنسا يحث دول غربي إفريقيا، على توضيح (في ظرف 45 يوماً) خططها الخاصة ومواقفها من تدخل عسكري لاستعادة شمالي مالي من سيطرة المتطرفين الإسلاميين . كما دعا القرار بالتوازي الحكومة المالية والمتمردين الطوارق إلى #187;البدء بأسرع ما يمكن في مسار تفاوض ذي مصداقية#171; . وكانت دول غربي إفريقيا قد استعدت منذ مدة لنشر 3300 جندي في شمالي مالي، لكنها كانت تنتظر صدور قرار من مجلس الأمن الدولي يأذن لها بالتحرك . وفي الوقت نفسه يواصل إسلاميو الم غربي العربي، وتنظيم القاعدة في بلاد الم غربي العربي، وما يسمى بحركة الوحدة والجهاد في بلاد غربي إفريقيا، الأعمال الوحشية في شمالي البلاد، مطالبين في الوقت نفسه بتطبيق الشريعة . وقد أفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، بأنهم يجندون مئات الأطفال للقتال، وأعلنت منظمة العفو الدولية في تقرير نُشر في باريس، أن عسكريين ورجال شرطة أوقِفوا في مالي، بعد مشاركتهم في الانقلاب المضاد، كانوا ضحية إعدامات عشوائية، وتعذيب على يد موالين للنظام العسكري .

وكان الانقلاب العسكري الذي حدث في جمهورية مالي قد أطاح النظام القائم فيها، وأدى بشكل مباشر إلى دخول هذه الدولة الإفريقية في نفق الفوضى، وقد نشب هذا الانقلاب بسبب عجز الجيش المالي عن قمع حركة التمرد في إقليم أزواد في الشمال، الذي تقطنه قبيلة الطوارق والعرب، وقاد هذا الانقلاب - المتوقع - الضابط أمادو هايا سانوغو، ابن الرئيس المخلوع أمادو سانوغ، وما إن وقع الانقلاب حتى أعلن شعب الطوارق في إقليم أزواد الاستقلال، وما لبثت أن جاءت جماعات إسلامية تنتمي إلى الحركة السلفية، وتنظيم القاعدة من ليبيا، فسيطرت على هذا الإقليم، وقامت بتدمير عدد من القبور والأضرحة لأولياء مسلمين توُفُوا في مدينة تمبكتو الإسلامية العريقة في القرون السابقة، بدعوى أن ذلك مخالف للإسلام!

وقد فجّر هذا التصرف خوف ال غربي من نشوء بؤرة للإسلاميين المتطرفين في هذه المنطقة، وتكوين قاعدة كبيرة لما يسمى بتنظيم القاعدة، وهو ما يعرف بقاعدة الم غربي الإسلامي . ويعود أصل هذا التنظيم إلى الجماعة السلفية للدعوة والقتال التي أصبحت تمتلك مناطق مجهزة بالمطارات، والقواعد العسكرية، ومعسكرات التدريب، وقطع مدفعية، وراجمات صواريخ، وأصبحت تبسط سلطتها على مساحة تقارب نصف مليون كيلومتر مربع، وبات لدى التنظيم قوة عسكرية تقترب في تعدادها من جيوش الدول المجاورة مثل النيجر وموريتانيا والتشاد .

ولهذا السبب اجتمع على عجل مجلس الأمن واتخذ القرار 2056 الذي بموجبه تم وضع مالي تحت بند الفصل السابع، ما يعني أن هذا القرار الحالي قد فتح الطريق إلى التدخل العسكري الدولي في هذه الصحراء الكبرى . ولا شك في أن هذا التدخل سيحدث لا محالة، لأنه إذا قويت شوكة الحركة الإسلامية المتطرفة في الصحراء الكبرى، فسوف تمد نفوذها نحو الجنوب والشمالي والشرق والغرب، حتى تبتلع الكثير من الدول المجاورة، ولاسيما ليبيا والجزائر ومالي والنيجر وموريتانيا .

إن التأخير في محاربة هذه الحركة الناشئة في إقليم أزواد لن يكون مصلحة الدول المجاورة، ولا الدول البعيدة - لكن في الوقت نفسه - فإن التدخل العسكري لن يكون سهلاً مطلقاً، خاصة أن المنطقة التي ينتشر فيها المسلحون كلها مناطق صحراوية قاحلة، ولا شيء فيها إلا أشعة الشمس الحارقة التي تصل حرارتها إلى أكثر من 60 درجة مئوية . وإذا كان الجيش في مالي عاجزاً عن القضاء على هذه الحركة، وهو الأدرى والأعلم بأرضه وشعبه، فكيف سيكون حال جيوش قادمة من الخارج؟ ولعل الخاسر الأكبر في أي تدخل عسكري قد يحدث، هو شعب أزواد البسيط الذي سيُقتل الكثير منه، وسوف يتم تحطيم ما لديه من بنى تحتية بسيطة، لكنه، على ما يبدو، لا حول له ولا قوة أمام سطوة المسلحين المدججين بالسلاح والمال الذي يتدفق عليهم من جهات لها مصلحة في تقوية شأنهم .

إن الحرب ضد التطرف ليست سهلة، فقد دخلت أوروبا في حرب عالمية العام 1939 للقضاء على نزعة التطرف التي ظهرت واستفحلت في ألمانيا، وأدت هذه الحرب إلى مقتل 60 مليوناً من البشر، وتدمير الكثير من الدول . وقد حشدت الولايات المتحدة العالم للقضاء على حكم طالبان المتطرف في أفغانستان العام 2001 . وحتى الآن، لاتزال الحرب هناك مستعرة، وقد تستهلك سنوات طويلة مقبلة . وكذلك، فإن الحرب العتيدة في شمالي مالي - لو قدر لها أن تحدث - فسوف يطول أمدها، مهما استُخدِم فيها من الأسلحة الحديثة، لأن المتطرفين سيقاتلون حتى آخر رجل فيهم، فمعركتهم هي معركة عقيدة - من وجهة نظرهم - هدفهم فيها إحدى الحسنيين: وإما النصر أو الشهادة، في أجواء تحل الغريزة البدائية بانفعالاتها ورعونتها محل العقل في واقع الأصولية القاتمة، والسيكولوجية المتطرفة التي تتجاوز تداعياتها غربي إفريقيا، لتلامس مباشرة مستقبل الأمة العربية والإسلامية .

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"