تتلبد سماء العالم من جراء الانقسام بين القِوى الدولية الكبرى على مناطق الهيمنة والنفوذ . فوجدنا حرباً العام 1870 (الروسية الفرنسية)، كانت بدورها سبباً لحرب أشد ترويعاً وأكثر فتكاً، خصوصاً مع التطور التكنولوجي للدول النووية، وهيمنة العملية السياسية والشعارات على وظيفة وسلوك هذه الدول، وعدم الاعتقاد بوجود عدالة كونية في الفلسفة الأخلاقية مبنية على أسس حضارية تنبع من الإيمان بوحدة المصير العالمي، وجدوى العيش المشترك .
وما يميز الخطاب السياسي العام اليوم هو سيطرة منطق الإرادة على العقل بما ينتج خطاب القوة والتدمير، لنظام يحاول امتلاك الكلية المكانية والزمانية في العالم، وفق منطق براغماتي بحسب أهمية مصالحه، وبحيث يتم تسويغ مختلف المفاهيم السياسية والثقافية العالمية من جهة كونيتها، وحق الجميع بامتلاكها أو المشاركة فيها . وذلك من خلال تبني سياسة تعتمد على القوة العسكرية، يمكن من خلالها إعادة رسم الخريطة العالمية .
فبعد أكثر من عقدين على انفراد الولايات المتحدة كقطب أوحد يتحكم في شؤون العالم، برزت روسيا والصين دولتين قويتين متحالفتين، ضد هيمنة الولايات المتحدة، وقد ظهر ذلك جلياً في عدة مواقف أبرزها رفض هاتين القوتين أي عمل عدائي ضد كوريا الشمالية وإيران . وكذلك الوضع في سوريا، حيث تقف هاتان الدولتان حائط صد ضد أي عمل عسكري لإزاحة النظام السوري، عكس ما جرى من قبل في العراق وليبيا . وقد أسهم ما يسمى بالربيع العربي في خلط الأوراق، وأخل بالتوازنات التي كانت قائمة بسبب سقوط أنظمة عربية ذات ولاءات للولايات المتحدة، وتضعضع أنظمة أخرى . وسعت الولايات المتحدة ودول الغرب الأخرى إلى ركوب موجة الاحتجاجات، فساندت الشعوب ضد الحكام من أجل كسب النفوذ في الواقع الجديد الذي يتخلّق . ووصل الأمر بدول الغرب أن قامت بشن الحرب ضد نظام القذافي وساعدت الثوار على الانتصار من أجل تحقيق الديمقراطية، ولكن مقابل خسائر هائلة في الأرواح، وتم قتل الرئيس الليبي معمر القذافي، ومعه أكثر من خمسين ألفاً من أتباعه .
وتعيش ليبيا الآن على وقع الانقسام والفوضى والقتال المستمر بين الميليشيات المتصارعة، وفي ظل عجز الساسة عن صنع مستقبل جديد لهذا البلد، ينقله إلى جنان الديمقراطية التي وعِدَ بها .
وقد أدركت روسيا والصين أن تدخل دول الغرب في ليبيا لم يكن من أجل عيون الليبيين؛ بل من أجل تحقيق مصالح الغرب الاستراتيجية، وعلى رأسها ضمان تدفق النفط الليبي؛ لذا، فعندما أراد الغرب التدخل في سوريا تحت نفس الهدف وهو مساعدة الثوار فيها على الانتصار وتحقيق الديمقراطية وقفت روسيا والصين موقفاً معارضاً للغرب في مجلس الأمن؛ وليس هذا فحسب؛ بل أرسلت روسيا سفناً حربية إلى السواحل السورية في إشارة إلى الاستعداد للمنازلة والقتال لو تطلب الأمر ذلك .
وأدركت الولايات المتحدة أن روسيا والصين جادتان في مواقفهما المؤيدة للنظام السوري، بصفته ورقة أخيرة لهما في المنطقة إلى جانب إيران، فتراجعت تصريحات المسؤولين الغربيين، إذ بينما كانوا يتحدثون عن منطقة عازلة، وحديث آخر عن منطقة حظر طيران فوق بعض الأماكن الملتهبة في سوريا بحجة تأمين المدنيين، أصبحوا يقولون إن هذا الأمر يتطلب قراراً من مجلس الأمن، لكن هذا القرار أصبح مستحيلاً في ظل المعارضة الروسية الصينية، ما يعني أن الأزمة السورية باتت نقطة حاسمة في الصراع بين الغرب، وبين القِوى الشرقية الصاعدة، ومن سيكسب الصراع الدائر في سوريا سيكون هو المنتصر في حرب الإرادات العالمية . ولاشك أن تقدم المشروع الروسي الصيني في سوريا، وهو الذي تتضح معالمه مع مرور الوقت، يعني أن المشروع الغربي لإحكام السيطرة على المنطقة يتجه نحو التراجع، وهذا الأمر سيخلق بيئة ضاغطة لن تستطيع دول الغرب احتمالها، خاصة أن هذه الدول كلها، ومن دون استثناء، تعيش في ظل أزمة اقتصادية، وتراجع نفوذها في العالم سيزيد من وقع هذه الأزمة عليها، ما سيؤدي إلى تحول المد الغربي في العالم إلى جَزر، وهذا الجَزر سوف يشكل ضغطاً كبيراً سيقود إلى الانفجار والحرب الكبرى الجامعة .
إن القِوى الكبرى تحاول جاهدة عدم إشعال فتيل النزاع بينها من خلال استخدام لغة دبلوماسية مهذبة، والاستمرار في التشاور، واللقاءات على أعلى المستويات؛ لكن الواقع سيفرض نفسه في النهاية، فالغرب الذي سيجد نفسه قد خسر الكثير من قوته ونفوذه العالمي، لن يتأخر في إشعال حرب كبرى دأباً على عادته في الاكتساب والسيطرة؛ فتاريخه هو سلسلة لا تنتهي من الحروب، وحتى قبل أن ينتهي من حرب يبدأ فوراً في الإعداد للحرب المقبلة، تحت ذريعة مفادها أنه إذا أردت السلام فلا بد لك من أن تستعد للحرب .
ومن هنا فإن الحرب الكبرى لا بد واقعة، ولن يحول وجود الأسلحة الذرية دونها، فهذه الأسلحة أُنتجت وخزنت لاستخدامها عند الضرورة، وقد يجري الآن الإعداد بشكل خفي لهذه المنازلة الكبرى التي ستكون بالنسبة إلى الغرب كخيار شمشون، فهم سينتهون كقوة عالمية لكنهم سينهون قسماً كبيراً من البشرية معهم . وقد يبرز نظام دولي جديد يستند إلى توازن شديد في القِوى، وفق الظروف والمعطيات التي تعمل من خلالها المؤسسات، والقِوى الأخرى الخاصة بالنظام الدولي وهي القِوى الناعمة كالدبلوماسية وإدارة القِوى العظمى والقانون الدولي .