الديمقراطية وتنظيم الاختلاف عند العرب

03:00 صباحا
قراءة 4 دقائق

د. إدريس لكريني

تحيل الديمقراطية إلى مجموعة من الدلالات والمعاني في ارتباط ذلك بتداول السلطة بصورة سلمية ومشروعة، واعتماد الشفافية والتعددية السياسية، وإلى المشاركة السياسية التي تسمح للمواطنين نساء ورجالاً بتدبير شؤونهم، والتأثير في مختلف القرارات والسياسات ذات الطابع العام عبر انتخابات حرة ونزيهة، إضافة إلى احترام حقوق الإنسان في بعدها الكوني واعتماد أسلوب الحوكمة وتمكين المرأة، وإلى قبول الأقلية باختيار الأغلبية، تبعاً لقواعد متفق بشأنها مسبقاً.
كما تقوم الممارسة الديمقراطية في أحد أهم عناصرها على التنظيم البنّاء والسليم للتنوع والاختلاف داخل المجتمع، فهي آلية ناجعة وفعّالة لتحويل هذا التنوع وما ينطوي عليه من مخاطر، إلى فرص تدعم تمتين الدولة والمجتمع. فعبر هذا المدخل الاستراتيجي، استطاعت الكثير من الدول الغربية وغيرها أن ترسّخ قيم المواطنة التي تختفي بين ثناياها كل الانتماءات الضيقة لحساب الوطن.
تحتضن المنطقة العربية مكوّنات اجتماعية وثقافية يطبعها التنوع والثراء، غير أن واقع الحال يبرز عدم القدرة أو الرغبة في تنظيم هذا الاختلاف بسبل بنّاءة، ذلك أن الكثير من الدول تعيش على إيقاع الصراعات الإثنية والعرقية والدينية والثقافية، بسبب التراكمات التي خلّفتها الانحرافات المتصلة بعدم نهج تنظيم سليم وبنّاء لهذا التنوع الذي استثمرته الكثير من دول العالم في تمتين أسسها وتعزيز وحدتها.
مع نهاية الحرب الباردة في مطلع التسعينات من القرن المنصرم، تفجّرت الأوضاع الداخلية في عدد من الدول العربية، بسبب عدم القدرة على التنظيم السلمي للاختلاف والتنوع في مجتمعات سمتها التنوع، وهو ما عكسه تطور الأوضاع في الصومال وفي اليمن والعراق.. ما نتج عنه الكثير من الصراعات والتداعيات المكلفة.
وشكّل «الحراك العربي» عام 2011 مناسبة لإعادة طرح موضوع التنوع المجتمعي على واجهة النقاش، وبخاصة داخل الدول التي عانت فيها بعض المكونات المجتمعية الحيف والإقصاء والتهميش، حيث تزايدت الدعوات والمطالب بدعم الحقوق والحريات، وبخاصة أن معظم الأنظمة التي اندلع فيها الحراك، فشلت بصورة ملحوظة في تنظيم هذا التنوع، بل وظّفته بعضها في عدد من المناسبات بسبل منحرفة ومقيتة خدمة لمصالحها السياسية الضيقة، عبر تكريس الفرقة والصراع والطائفية.
وقد أبرز تطور الأحداث في المنطقة أن هشاشة الوحدة الوطنية، هي عامل معرقل للتحوّل الديمقراطي، وهو ما تجسده الحالة في كل من حالة لبنان والسودان، والعراق.. فهذا الأخير لم يتمكن بعد من تجاوز الإشكالات الطائفية التي تفجّرت مع إسقاط نظام صدام حسين، ودخول الأمريكيين للبلاد.
إن الوطن الذي لا يستوعب مكوّناته الاجتماعية في مختلف تجلياتها (الثقافية والعرقية والإثنية والدينية..)، ولا يدعم حقوق الأفراد، في إطار من الأمن والاستقرار الذي يحميه وجود تعاقد بين الفرد والدولة؛ يؤدي حتماً إلى اختلالات تقتل روح المواطنة وتربكها، ذلك أن ضعف الشعور بالمواطنة، والاختباء خلف انتماءات ضيقة إثنية كانت أو عرقية أو دينية.. يمكن أن يؤثر بالسلب في مسار التحوّل الديمقراطي ويهدّد وحدة الدولة وتماسك المجتمع.
هناك العديد من العوامل والأسباب التي تكرّس الفرقة وتغذّي مظاهر الطائفية داخل المجتمعات، ويمكن اختزالها في الاختلالات التي تطبع التنشئة الاجتماعية والتربية الدينية، من حيث تكريس الرأي الواحد والانغلاق والتعصب والإقصاء والتطرّف والشعور القبليّ، أو اعتماد تشريعات قانونية تكرّس الإقصاء والتمييز بين أفراد المجتمع الواحد، وعدم اعتماد الصرامة في مواجهة المحرّضين على الطائفية، إضافة إلى عدم توفّق الدولة في تدبير تنوعها المجتمعي أو السعي لتوظيفه بسبل سطحية أو مرحلية تقوم على الزجر والعنف. كما لا تخفى العوامل الخارجية في هذا الصدد، من حيث توجّه بعض القوى الإقليمية والدولية إلى استغلال هذا التنوع في حبك المؤامرات وإثارة نار الفتن خدمة لمصالحها الخاصة..
لا تقوم الديمقراطية على إقرار الدستور وبناء المؤسسات فقط، بل تظلّ بحاجة أيضاً إلى ترسيخ ثقافة سياسية تدعمها، ولذلك يظلّ التحوّل الديمقراطي رهيناً أيضاً بترسيخ قيم الديمقراطية فكراً وممارسة، وإلى نبذ العنف والتطرف والإرهاب باعتبارها سلوكات تتناقض مع هذه الديمقراطية التي تحيل إلى الاختلاف والحوار في تدبير النزاعات، وهو ما يسائل مختلف القنوات والوسائط المعنية بالتنشئة الاجتماعية..
تؤكد التجارب الدولية الرائدة، أن درجة انصهار وتعايش المكونات الاجتماعية على اختلافها داخل المجتمع الواحد، تظل في جانب مهم منها متوقفة على طبيعة التعامل الذي تسلكه السلطات السياسية والاجتماعية نحوها، فالنأي عن العدالة الاجتماعية والحرية، يحرّض هذه المكوّنات على الاختباء خلف الخصوصية والميل نحو الانغلاق عن المحيط العام، والبحث - بالتالي- عن مشاريع بديلة خاصة بها، ممّا يفضي إلى مظاهر من الصراع والاضطراب والتعصّب والانقسام، فيما التشبث بهذه القيم والمبادئ، يرسّخ الوحدة الوطنية ويدعم التعايش والاندماج والانتماء الأرحب داخل وطن ومجتمع يتّسعان للجميع.
تعيش عدد من الدول العربية في الوقت الراهن على إيقاع المشاكل والأزمات في أبعادها وتجلياتها السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية..، يرافقها تهافت إقليمي ودولي كبير على المنطقة، وهي وضعية تفرض أكثر من أي وقت مضى، تجاوز الخلافات البينية، وتحصين الذات، عبر إعمال إصلاحات تروم ترسيخ تعاقد جديد بين الدولة والمواطن، يدعم حقوق الأفراد ويلبّي تطلعاتهم في إطار من الأمن والاستقرار والحرية والعدالة الاجتماعية.

[email protected]

عن الكاتب

​باحث أكاديمي من المغرب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"