الصداقة التركية - العربية تتقدم

04:53 صباحا
قراءة 4 دقائق

أخطأت بعض أوساط المعارضة اللبنانية، حين أبدت فتوراً حيال زيارة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان الى لبنان، حين اعتبرت أن توقيتها خاطئ، كونها تأتي بعد أسابيع قليلة على زيارة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد . ففي الأساس، ليس هناك من تنافس بين أنقرة وطهران في الملف الشرق أوسطي، سواء تعلق بلبنان أو سوريا أو القضية الفلسطينية . هناك بطبيعة الحال اختلاف إيديولوجي بين إيران وتركيا، كما بين إيران وأغلبية دول المنطقة، غير أن هذا الاختلاف لا ينعكس في تناقض أو حتى تباعد سياسي بين القوتين الإقليميتين الكبيرتين، خلافاً لما توحي به مواقف تلك الأوساط المعارضة .

وفي حين أن دمشق حليفة المعارضة تعمل كل ما بوسعها لتمتين علاقاتها مع أنقرة، مع الحفاظ على التعاون الاستراتيجي مع طهران، وذلك احتكاماً لقوانين الجغرافيا السياسية، وتزكية للموقف التركي الذي يزداد وضوحاً في اعتراضه على العدوانية الإسرائيلية، في هذا الوقت، فإن هناك من ينظر الى أنقرة والدور التركي بمنظار ضيق غير سياسي، ويعِف عن توسيع دائرة الأصدقاء، وبداعي، ربما، أن الموقف التركي غير متطابق أو غير متماثل مع طروحاتنا الإيديولوجية، وهو تفسير يفارق عالم السياسة ومرتكزاتها وممكناتها .

على أن الرجل الذي اختتم زيارته للبنان مساء الجمعة الماضية، لم يوفر فرصة لتظهير الموقف الذي يلاقي مواقف العروبيين والممانعين، فقد شنّ حملة على تل أبيب وحذرها من الإقدام على شن حرب جديدة، وأبدى تضامناً مسبقاً مع المعتدى عليهم، وزاد على ذلك بأن مواطني إسرائيل سوف يخسرون إلى جانب معاناة أبناء المنطقة من لبنانيين وفلسطينيين، واعتبر اردوغان في تصريح غير مسبوق لمسؤول تركي، أن تل أبيب خسرت حربها في العام 2006 على لبنان وسوف تهزم في أي حرب محتملة أخرى . وهو تصريح يحمل مدلولات سياسية في الوقوف إلى جانب المقاومة، وهو ما تخشاه تل أبيب أشد الخشية، علاوة على وصفه الإسرائيليين بالقتلة الذين أضافوا إلى ضحاياهم ضحايا أتراكاً إلى جانب العرب .

شكل هذا الموقف دعماً واضحاً للبنان واللبنانيين، من طرف دولة إقليمية ذات وزن طالما اعتبرت تل أبيب علاقاتها بها على مدى عقود، ذخراً استراتيجياً، وذلك قبيل وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، والتمتع بأغلبية برلمانية كاسحة قبل نحو ثماني سنوات، وما طرأ منذ ذلك الوقت من تحولات متدرجة لكنها متتابعة، ومتراكمة على الموقف التركي حيال أوضاع منطقتنا .

من مصلحة لبنان في هذه الآونة أن يتمتع بأوسع دعم إقليمي ممكن، لا أن تبحث الأطراف المحلية المنقسمة عن ترجمة لانقسامها في الخارج، وأن تستدرج استقطاباً إقليمياً يعمق الاستقطابات الداخلية، بما يسهم عملياً في المزيد من تعقيد الوضع، وذلك مع رفده بعوامل خارجية سلبية، وهو الدرس الذي يستحق استخلاصه من الحروب الداخلية السابقة التي أتت على الأخضر واليابس في لبنان الأخضر .

لم يتردد الضيف التركي الرفيع عن دعوة الفرقاء الى التوافق في ما بينهم حول قضية المحكمة الدولية، مشدداً على أن أنقرة تقف على مسافة واحدة من الجميع، وستبذل قصارى الجهد لاحتواء أي فتنة وقبل أن تقع . مثل هذا الموقف المسؤول من شأنه طمأنة جميع اللبنانيين، ذلك أنه ببساطة ليس من مصلحة أحد منهم، أياً كان موقعه، وأياً كانت وجهته، وقوع فتنة لا تُبقي ولا تذر .

وتكراراً، فإن مصلحة لبنان الصافية، تكمن في انعقاد إجماع إقليمي على نصرته في هذه المرحلة الفارقة من تاريخه، وبصرف النظر عن اللون الإيديولوجي للداعمين . ولعل تل أبيب هي أفضل من يدرك هذه التحولات، وهي تحصي خسائرها، وتعاين توافد زعماء إقليميين قريباً من حدودها يناوئون بأوضح العبارات سياستها، ويعلنون الوقوف إلى جانب لبنان في أي حرب مقبلة . وإذا كانت الجمهورية الإيرانية تعدّ في نظر بعض الغرب مركزاً للتطرف، فإن الجمهورية التركية مازالت تحتفظ بعلاقات قوية مع الغرب وبعضويتها في الحلف الأطلسي، خلافاً لعهد غابر كانت فيه طهران وأنقرة معاً في موقع الحلفاء والشركاء للدولة الصهيونية .

يضاف إلى ما تقدم، الانشغال التركي الذي بدا حميماً، بنزع عوامل التوتر الداخلية في هذا البلد، مع إعلان أردوغان دعمه للتحرك السعودي السوري، وهو موقف اتخذته دولة قطر أيضاً، في مسعى جاد ونزيه لتجنيب تجرع اللبنانيين كأساً مرة، وللبحث عن معادلة ذهبية تضمن الاستقرار وإنفاذ العدالة جنباً الى جنب، وتحول دون تسييس التحقيق الدولي بشأن جريمة اغتيال الحريري .

وفي المحصلة وعبر هذه الزيارة التي شهدت توقيع اتفاقية تجارة حرة بين البلدين والعديد من الاتفاقيات الأخرى ذات الأبعاد الاقتصادية، فقد تحققت نقلة نوعية في العلاقات المتنامية بين لبنان وتركيا، وكسب اللبنانيون ومعهم العرب، حليفاً جديداً لهم في المحافل الإقليمية والدولية متمثلاً بتركيا، الدولة ذات النجم الصاعد التي تحتل المرتبة الخامسة عشرة في الاقتصاد العالمي، فيما كلمتها مسموعة ومواقفها السياسية تؤخذ في الاعتبار لدى صوغ المعادلات الدولية، والخاسر الأول في ذلك هو تل أبيب .

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"