ترتدي الاعترافات التي تتوالى بالدولة الفلسطينية من دول صغيرة آخرها جمهورية قبرص، أهمية كبيرة، خاصة أنها تقترن بتحديد حدود الدولة المعترف بها وذلك في نطاق أراضي عام 1967 التي جرى احتلالها في حرب يونيو/ حزيران .
ليس هذا هو وجه الأهمية الوحيد، فالاعترافات تتوالى في ظروف توقف المفاوضات وانسداد الآفاق أمام استئنافها وذلك في ضوء استمرار الاحتلال الإسرائيلي بتغوله الاستيطاني وبالذات في القدس الشرقية المحتلة . ومغزى ذلك أن التسوية التفاوضية تتعرض مرة أخرى للاستعصاء الكامل مع حكومة ايديولوجية تقود تل أبيب . وبعد انكشاف محدودية دور إدارة أوباما في انتهاج سياسة جديدة تفارق تلك السياسة التقليدية التي دأبت عليها الإدارات المتعاقبة في البيت الأبيض، وبعد أن تراجعت مكانة القضية الفلسطينية لدى ما بقي من النظام العربي الرسمي، يضاف إلى ذلك ما تبديه الرباعية الدولية بدورها من عجز في ترجمة مبادئها المعلنة إلى سياسات أو حتى إلى إجراءات وتدابير بما يتعلق بالاستيطان والحق بإقامة كيان وطني مستقل للرازحين تحت الاحتلال، وفي ضوء هذه الاعتبارات تكتسب الاعترافات المتوالية أهمية استثنائية، حتى لو بدا وقعها الإعلامي ضعيفاً، في غمرة الانشغال بتطورات الأحداث ما بعد انتفاضة تونس . ويسترعي الانتباه أن سلسلة الاعترافات هذه لم تأت تلبية لمطالب راهنة من الجانب الفلسطيني، ولئن كان من الصحيح أن الاعتراف هو مطلب دائم من ناحية المبدأ، إلا أن حملة سياسية لم يجر إطلاقها لهذا الغرض في الآونة الأخيرة . الذي حدث أن الحملة انطلقت بعد توالي الاعترافات، وشملت دعوة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة للاعتراف بدولة مستقلة في حدود عام ،1967 وهي مطالب لم تلق آذاناً مصغية كما هو متوقع، وليس من المنتظر أن تلقى استجابة في وقت لا يتموضع فيه هذا المطلب في موقع متقدم من الأولويات الفلسطينية .
ليس هذا هو الأمر الوحيد الذي يستدعي التأمل في ظروف الاعترافات هذه . فالسلطة ما زالت تعتصم بالنشاط الدبلوماسي وحده لتظهير الأهداف والمطالب، ولا تقرنها بأية تحركات شعبية وميدانية على الأرض . إن اجتذاب الرأي العام ودوله وحكوماته للأهداف الثابتة المشروعة، يتعذر أن يتم بمعزل عن حراك وطني نشط على الأرض، وفي ظل سكون سياسي لا تخدش هدوءه سوى جرافات الاستيطان وحركة آليات جيش الاحتلال، ومن دون نشاط جماهيري مرتفع الوتيرة يقارع الاحتلال ويفرض نفسه على اهتمامات العالم بأسره . ولئن كان هذا الأمر في عداد البديهيات والمسلمات، فإنه من دواعي الاستهجان إن تنشأ ظروف تملي التذكير بها مرة تلو مرة .
وحتى في ما يتعلق بالتحرك والاتصالات الدبلوماسية وهو الكفاح الوحيد الذي يجري التشبث به، فإنه من الملاحظ أن التحركات في هذا الاتجاه، لم تشمل أصدقاء القضية الفلسطينية مثل الصين وروسيا، وهما الدولتان الكبيرتان اللتان تحتلان مقعدين دائمين في مجلس الأمن، ومن شأن اعترافهما بدولة فلسطينية في حدود الرابع من حزيران 1967 تغيير المعادلات السياسية وممارسة ضغط فعلي على حكومة الاحتلال .
الأمر ذاته ينطبق على نحو ستين دولة من الدول العربية والإسلامية، التي لم يتم التوجه إليها لكسب اعترافها بالدولة العتيدة، وهي بالمناسبة دول سبق لها أن اعترفت بالإعلان عن دولة فلسطينية في عام ،1988 غير أن الوضع الآن يختلف، إذ إن الاعتراف السابق كان يتعلق ب النوايا بإقامة دولة، أما في الظروف الحالية فإن الاعتراف يعني بسط الولاية والسيادة على الضفة الغربية المحتلة كما على قطاع غزة .
وهنا تثور ربما المسألة الأكثر أهمية، إذ إن استقبالاً جاداً وذا معنى لاعترافات دول في أمريكا اللاتينية ودول أخرى، لا بد أن يلاقى بموقف سياسي جوهري من السلطة الفلسطينية وهي نواة الدولة، يقوم على الطلب من الدولة الصهيونية الانسحاب من الأراضي المحتلة وإنهاء احتلالها الاستيطاني والعسكري لهذه الأراضي، مع دعوة دول العالم لإسناد هذا الطلب، وذلك لتمكين الشعب من إقامة دولته المستقلة على أرضه الحرة، وإلا فإنه من السخف الاكتفاء بتوجيه الشكر للدول التي بادرت بالاعتراف، وانتظار أن يلهم المولى دولاً أخرى القيام بالخطوة نفسها، من دون تفعيل هذا التطور السياسي الفائق الأهمية، واستثماره من أجل الضغط على الاحتلال، وتأطير الجهد وتنظيمه باتجاه وضع حد نهائي للاحتلال والتساوق مع الإرادة الدولية الجامعة، وبلوغ الأماني الوطنية المشروعة .
إن حال الجانب الفلسطيني هو كحال من يتلقى هدية ولا يعرف كيف يستخدمها والإفادة منها، ويكتفي في أثناء ذلك بتوجيه وابل من التشكرات لصاحب الهدية، فإذا مضى مزيد من الوقت وهو في حالة الضياع هذه، فقد تغدو الهدية غير قابلة للاستخدام أو تنتهي فترة صلاحيتها، ولن يجد المهدى إليه والحالة هذه من يتعاطف معه ويرِقّ لحاله بعد أن أضاع الفرصة .
لقد تنبهت حكومة تل أبيب لمخاطر اعتراف دول بدولة مستقلة للفلسطينيين وشرعت بحملة تحذيرية موجهة لسائر دول العالم من مغبة الاعتراف بدولة من جانب واحد، ويبدو أن هذه الحملة أتت بعض أكلها، إذ تباطأت بالفعل وتيرة الاعترافات ولم تضم دولاً ذات شأن بما فيها دول عربية .