الغاية المتناهية وإرادة الحياة

04:51 صباحا
قراءة 4 دقائق

الأمل هو إكسير الحياة الإنسانية، فالنفس البشرية لا تعيش إلا بالأمل، وإذا فُقِدَ الأمل فإن النفس البشرية تذبل إلى أن تتلاشى فتنهار نفسياً . فما اليأس سوى شعور بأن الحياة يكسوها الضباب الكثيف الذي يحجب الرؤى حتى يصبح سجناً يرهن النفس، فتمسي أسيرة الضيق والكآبة، يعلوها الهمُّ، وتحيط بها المخاوف، ويحاصرها الشك والارتياب حتى بالأقربين، وتنتهي بالوساوس حتى تصبح النفس مرتعاً للأمراض النفسية المُهلكة .

لقد فطر الله النفس معطرة بالأمل فهي تتجه بطبيعتها نحو نور لا تراه بعد، ولكنها تترقب ظهوره، وهذا الترقب وحده هو الذي يولد فيها الرجاء وأمل النفس في أن تتخلص من ظلامها الحاضر: ظلام الانتظار والترقب، بل ظلمات الحياة الإنسانية التي لا تخلو من ألم وشقاء وتجارب عنيفة متنوعة، فالأمل وحده هو الذي يستطيع أن يخترق ضبابية الزمان لأنه يشعر بأن الزمان لا يقوى على أن يحتبس تلك النفس الإنسانية الخالدة التي تنفذ من خلاله حتى الأبدية .

وإذا كان الأمل يحمل دائماً طابعاً تنبئياً (Prophetic) فهذا لا يعني أنه يرى بالفعل ما سوف يحدث، بل كل ما هنالك أنه يقطع ويؤكد ببصيرته التي يغذيها الأمل وكأنه يراه ماثلاً أمام عينيه . وكما نلاحظ في فلسفة الفيلسوف الفرنسي جبريل مارسل التي تجعل كل كرامة الإنسان منحصرة في #187;المعرفة#171; أي: في النظر إلى الأشياء وتفسيرها بمجموعة من الأفكار، وبالأمل تجعل الوجود الإنساني بأكمله منحصراً في ذلك الفعل الإرادي الذي يجعل الذات تأخذ على عاتقها مسؤولية وجودها . ومعنى هذا أن #187;الأنا#171; ليست وجوداً طبيعياً أحياه، وإنما هي أقرب ما تكون إلى وجود أحققه بفعل اختيار الذات .

وهكذا نرى أن الفيلسوف ياسبر يستبدل بعبارة ديكارت القائلة #187;أنا أفكر، فأنا إذن موجود#171; . وليس الوجود هو الاختيار فحسب، بل أنا أُوجَد لأنني أختار، فأنا لا أبلغ مرتبة الوجود إلا من خلال عملية الاختيار . وهذا ينطوي على دليل ضمني على إمكان قيام #187;الحرية#171; لتنير ظلمات وجودها والتي هي العلامة الأولى من علامات إشراق الوجود، وهي فكرة للمسؤولية .

إننا نرى الآن رياح الحرية بدأت تعصف بالأوطان العربية من كل حدب وصوب، إذ يشعر الإنسان العربي بأن الضرورة المطلقة قد أخذت تهز أركان وجوده، بحيث تحقق اختياراتها، وتختلط معاني الاختيار والإرادة في مصر وسوريا وليبيا واليمن وفلسطين . إن كل اختيار لابد أن ينطوي على شيء من المجازفة والمخاطرة من أجل بلوغ الغاية النهائية وهي التمتع بالحرية التي تقودهم نحو غايتها، سواء في دائرة الفكر أو في دائرة الفعل، وتقيم ضرباً من التطابق بين حريتها ومصيرها، وهي الغاية القصوى لكل وجود تجريبي، ومصدره إرادة الحياة . تلك الإرادة التي بمقتضاها يتم قبول الوجود المطلق في هذا العالم على نحو يساعد في فهم جوانب تلك الحقيقة المتعالية، في الطبيعة والتاريخ، والشعور عموماً، وفي فهم الإنسان نفسه، وفهم الحرية الإنسانية . ولا يتجلى كل هذا إلا من خلال تحطيم المنظومة التقليدية التكفيرية في الثقافة العربية المُتوارَثة، والتي تنطوي على تصورات عقيمة وخاوية من كل معنى، وأشباه قضايا لا تمت إلى القضايا المفهومة بأدنى صلة في صميم الوجود البشري في العالم العربي المنعزل عن محيطه، المنكفئ على ذاته، وعلاقته المباشرة بالعالم، وكأنه يبدو مشدوداً نحو عراء التخلف، ويقيم ضرباً من التعارض الجوهري، بعيداً عن العالم أو بمعزل عن الآخرين أو على انفصال مطلق عن العالم .

إذا أرادت الشعوب العربية أن تسمو بنفسها إلى مرتبة الوجود الإنساني الحقيقي، وأن تكون حرة، باعتبار الحرية مفهوماً أساسياً من مفاهيم الفلسفة، وباعتبارها حقيقة وجودية لا تكاد تنفصل عن الوجود الشخصي، عليها أن تأخذ على عاتقها مسؤولية وجودها من خلال تلك التجربة الوجودية بالمفهوم العقلي، وبطريقة يقينية مباشرة إلى حد التناهي، الذي يحدد الوجود الإنساني، بحيث يتقبل الإنسان الآخر في معتقداته، وفعل وجوده في قضايا الأخلاق، والدين، والفلسفة الاجتماعية التي تعتمد الأحوال الاجتماعية، والسياسية والعقائدية في مناطق متعددة من العالم ذات الفكر الفلسفي القائم على مثاليات شعوب العالم، والعمل على التواصل معها في مودة وتفاهم، وانسجام روحي وعقلي، والتناغم مع مشتركات الثقافة العالمية الكبرى، والتي تقضي على الفوارق، ولا تنتهك الحريات والمعتقدات الأخرى، وتتفق من منظور أخلاقي مع كل القيم المطلقة التي تعد أساسية لكل شعوب العالم، ومنهاجاً للتأمل الإنساني والرؤيا الحقيقية الناجمة عن معرفة الله، في سمو الروح، وشمول أخلاقي من أجل تحقيق العدل والحرية والبصيرة الثابتة نموذجاً للوعي العقلي التصوري والفكري، لإنارة التطور الكوني بين البشر بمقتضى ما لديه من حرية واحترام بين البشر كافة .

هذه المثل العليا هي التي تنير درب كل إنسان في سعيه نحو الحقيقة المطلقة الكامنة في روح الإنسان بصفته إنساناً، والذي يحتوي العالم العاقل كله في ذاته وإيمانه، وبما يتناسب مع قوانين الكون ومبادئه، والأفكار ذات الوجهة الواحدة للكمال الحقيقي، وهي الفعالية الروحية في كل عناصر الكمال الكلي، وهي أيضاً المعنى الوحيد للحرية التي بها يتحقق الكمال الإنساني الخالص، والرحمة الإنسانية المبرأة في عالم الشعور والواقع والنشأة الأولى من نفس واحدة، في المنشأ والمصير، المنوطة بتحقيق هذا كله في الحقيقة التي تربط إيمان الإنسان بوحدة النوع، وتصله بالله رب العالمين .

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"