تخوض السلطة الوطنية الفلسطينية معركة دبلوماسية شرسة لمواجهة اعتزام عدد من «الدول» نقل سفاراتها إلى القدس تبعاً لقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي مازال يجلب مزيداً من السخط على سياسات واشنطن وانحيازها المفضوح إلى الكيان «الإسرائيلي» دون اعتبار لوضعها كقوة عظمى يفترض فيها الحياد، ودون التزام بتعهداتها السابقة برعاية عملية المفاوضات وإحلال «السلام».
جواتيمالا، هذه الدولة الهامشية في أمريكا الوسطى دخلت على خط المزايدة، وقامت بنقل سفارتها إلى حي المالحة في القدس، وأعلنت أن رئيسها جيمي موراليس سيحضر الافتتاح هذا الشهر. وقد أثارت هذه الخطوة العدوانية على الشعب الفلسطيني غبطة رئيس وزراء «إسرائيل» بنيامين نتنياهو ليغرد حماسا بما فعلته جواتيمالا، ومرحبا بمن أسماهم «الأعزاء والأصدقاء في عاصمة اليهود الأبدية»، وهو موقف يهدف إلى تحريض واستقطاب لمزيد من الدول الخاضعة للابتزاز الأمريكي- «الإسرائيلي» للالتحاق بكوكبة المعتدين على القدس وهويتها العربية والإسلامية والمسيحية.
الإعلام العنصري في «إسرائيل» نفخ في قرار جواتيمالا الطائش، وبدأ يتصور أن القدس ستزدحم بالسفارات بعد أن ينقل الرئيس الأمريكي سفارته، مثلما هو مقرر، متغافلاً عن أن الأغلبية الساحقة من دول العالم، بما فيها عواصم لا تكن وداً للشعب الفلسطيني، ترفض القيام بهذه الخطوة، ولا تريد أن تمنح الاحتلال شيكاً على بياض للتصرف في القدس، وهي مواقف أقل ما يقال عنها أنها تحترم أحكام القانون الدولي، من ذلك بريطانيا التي باعت فلسطين لليهود، ترفض نقل سفارتها، وكذلك تفعل فرنسا وألمانيا واليابان وغيرها. أما الدول التي هيجها قرار ترامب، لا تحترم نفسها، واتخذت قراراتها إما تحت التهديد والابتزاز أو رشوة للوبيات «الإسرائيلية»، فواحد مثل رئيس جواتيمالا ملاحق بقضايا فساد في بلاده ومطلوب في تحقيق للأمم المتحدة، وللهرب من الفضائح التي تلاحقه، قرر المقامرة في القدس من أجل أن يحميه ترامب ونتنياهو من المساءلة.
حملة السفارات على القدس أساسها النصب والاحتيال، وهذه سمة تكاد تكون قاعدة عامة للسياسة الدولية حالياً، إذ طغت عمليات المساومة والبيع والشراء في كل شيء، ولم تسلم القضايا الإنسانية العادلة من هذا الشر، وما يحدث في فلسطين دليل على تردي أداء المجتمع الدولي إلى درجة الإسفاف، وذلك بعد سنوات من التجاهل والتغاضي عما فعلته «إسرائيل» من تهويد ممنهج واستيطان غير مشروع وجرائم دموية تلحق بالشعب المحاصر في قطاع غزة في مسيراته الأسبوعية تأكيداً لحق العودة الذي تريد السياسات الأمريكية و«الإسرائيلية» إعدامه باختطاف القدس واجتثاثها من هويتها المقاومة لكل أشكال السلب والتهويد.
ربما يكون زرع سفارات غير مشروعة في القدس أمراً مؤلماً للشعب الفلسطيني والأمتين العربية والإسلامية، ولكن مهما فعل الباغون ستظل فعلتهم موجة عابرة، ويجب أن تكون كذلك، اعتماداً على الصمود الفلسطيني والدعم العربي رسمياً وشعبياً، فقد كانت قمة الظهران العربية واضحة في مواقفها، ومعظم الدول الكبرى ترفض أن يلحقها العار بالمشاركة في جريمة ضد دولة فلسطينية تنتظر ميلادها. وقيام واشنطن وبضع عواصم أخرى بنقل سفاراتها، لن يغير في واقع الحال، فقبل ثلاثين عاما نقلت بعض الدول المجهرية سفاراتها إلى القدس، ولكن سرعان ما أغلقتها خلال أسابيع بعد مواقف عربية وإسلامية مشرفة، وليت تلك المواقف تتكرر بدرجة أقوى لتكسر هذه الموجة ويكسب الفلسطينيون معركتهم في القدس.
مفتاح شعيب