من يتدبر الوضع الراهن لبؤر الفتن والصراعات العسكرية في الوقت الحاضر -كما في العراق وأفغانستان- يرى أن نهاية هذه الصراعات قد تعود بنا إلى نهاية تشبه إلى حدّ بعيد نهاية الحرب العالمية الثانية . فقد قضت الحرب العالمية الأولى والثانية على أربع إمبراطوريات، واستُنزِفت مواردها بصورة هددت أسسها المدنية، وظهرت الفاشية في إيطاليا، والشيوعية في روسيا، والنازية في ألمانيا، وفقدت أوروبا وضعها كمركز للقوة السياسية والعسكرية والاقتصادية، وبرزت على الساحة السياسية والدولية الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى لها ثقلها السياسي والعسكري . أما الحرب على العراق وأفغانستان فقد غيرت الوضع الاستراتيجي في المنطقة والمحيط الهندي، فإلى جانب مئات الآلاف من الضحايا وجُلهم من المدنيين العزل، ونشوب فتن داخلية وصراعات مذهبية وطائفية، وشيوع القسوة والفظاعة والكراهية والقتل الجماعي، وتأليب طوائف عرقية ضد طوائف عرقية أخرى، أصبح العنف وسيلة يغطي الوسائل والغايات والمعتقد، وشكّل مذهب العنف الرؤية للسياسة باعتبارها نبيلة من الناحية الروحية، وأصبح العنف جزءاً من الطبيعة البشرية، والإطار الكلي للحياة، وطوّق العبث والوحشية كل القواعد الأخلاقية للدول والجماعات وسط ظلال من اليأس المعاصر تحت تيار الأحداث الذي لا يرحم، لأن التاريخ قاس ولا يوثق به ولا عقلانية في غاياته النهائية .
في يوم الأحد 4/12/،2011 ذكر البيت الأبيض الأمريكي أن إدارة الرئيس أوباما ستساند الإخوان المسلمين في مصر حتى النهاية ماداموا يلتزمون خريطة الطريق بينهم وبين الإدارة الأمريكية، وذلك على خلفية فوزهم بأغلبية في الانتخابات المصرية . وأشار المسؤولون الأمريكيون إلى أنهم في حوار دائم مع قيادات جماعة الإخوان المسلمين، وأن الحوار يقوم على أسس من التفاهم والاحترام، وأن الجماعة أكدت نبذ أية أفكار عنف . في حين كان السفير الأمريكي بالرباط صامويل كابلن، قد التقى يوم الخميس 1/12/2011 رئيس الحكومة المغربي المكلف عبدالإله بنكيران رئيس حزب العدالة والتنمية الإسلامي الذي فاز بالانتخابات التشريعية في المغرب، وأكد أهمية العلاقات الثنائية المتميزة بين المغرب والولايات المتحدة، واستحضر التقارب الاستراتيجي الكبير بين البلدين الحليفين .
وكان الرئيس الأمريكي باراك أوباما قد سبق وشدد في الشهر الماضي، على التلاحم الوطني، وحيّا دور المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية عندما قال: إن الإسلام كان دائماً جزءاً من العائلة الأمريكية، والمسلمون الأمريكيون أسهموا منذ زمن بقوة بلادنا وهويتها في جميع الأحوال .
إن أوباما بهذه الكلمات، وهذا الفعل في هذا التوقيت، يعلن أنه ينبغي الارتقاء إلى مستوى الأحداث الديناميكية، خوفاً من السقوط في دوامة التيه الأيديولوجي بمفاهيمها وميادينها كافة، بدلاً من الاحتماء بسياج من الديمقراطية والحرية والتعددية، لإيمانه بأن الحركات الكبرى الكونية التي تتحكم في مصير العالم هي الحكم بالعدل والإيمان بالشخصية الإنسانية بكل نشاطها واتجاهاتها، وبذلك تكون الأمة ذات شأن حضاري عندما ترتبط الارتباط الإيماني الوثيق برسالة ديناميكية تحشد وتوجه وتستخدم طاقات الأمة الشعورية واللاشعورية، وتجعل من الفعل تطلعاً إلى المستقبل لا وقوفاً عند الحاضر، ومن الحركات التاريخية نشاطاً إنسانياً محوره الإنسان، لأن القوة العسكرية قد تجمع ولكنها لا توحّد، وقد تفرض لكنها لا تقنع، وعندما تتراخى قبضتها تتناثر وتتلاشى إلى بوارٍ . إذا لم تكن القوة من أجل رسالة حضارية أخلاقية، فإنها تتحول إلى عنف وبربرية، وتصبح بذلك عبئاً على الحضارة والتاريخ، الأمر الذي يجعل استمرارها منافياً لطبيعة الأشياء ومتعارضاً وسنن الحياة، فالتاريخ كما يقول كنيدي: هو إرادتنا المستمرة على أن نخرج من الماضي الذي نعدّه ناقصاً وغير كامل، وأن نتجه نحو المستقبل، نحلم بأنه أقل نقصاً من الماضي، والإسراف في الإنفاق على التسلح يؤدي إلى الدمار، لأن القوة العسكرية لا يمكن أن تكون متفوقة على الحق بصورة مطلقة .
ولذلك جاء قرار إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما التخلي عن عبارة الحرب على الإرهاب في استراتيجيتها الجديدة للأمن القومي، والتي فرضت نفسها بعد أحداث سبتمبر/ أيلول ،2001 وورد في الوثيقة الصادرة بعد مناقشات مكثفة استمرت 16 شهراً أنهم سيسعون على الدوام إلى نزع الشرعية عن الأعمال الإرهابية، وعزل كل من يمارسونها، وأعلن أن هذه ليست حرباً عالمية على تكتيك هو الإرهاب أو ديانة هي الإسلام، وأنهم في حرب مع شبكة محددة هي تنظيم القاعدة وفروعه التي تشن الهجمات على الولايات المتحدة ومصالحها وحلفائها وشركائها . وأضاف الرئيس أوباما خلال خطابه بعد صدور الوثيقة: رغم ذلك فإننا ونحن نخوض الحروب التي تواجهنا، يجب علينا أن نرى الأفق الكامن وراءها العالم الذي تكون فيه أمريكا أكثر قوة، وأكثر أمناً، وقادرة على التغلب على التحديات، وتكون في الوقت نفسه جاذبة بالنسبة إلى طموحات الشعوب في العالم كله . ولكي نحقق ذلك يجب علينا أن نتبع استراتيجية من التجدد القومي والقيادة في العالم، استراتيجية تعيد بناء الأساس لقوة ونفوذ أمريكا .
إن هذه الحقائق تمثل نهوضاً للأمريكيين في مواجهة وتحديد لحظات التحول والتحديات الجديدة، في مساعٍ ترمي إلى تخلي الولايات المتحدة عن النهج الأحادي في شن الضربات الاستباقية، والحروب غير المبررة من أجل تحسين السياسة الخارجية التي مازالت تكافح لإنهاء الحربين في أفغانستان والعراق .
في ظل هذه الوثيقة التاريخية الحاسمة عن الحرب على تنظيم القاعدة، فإن تفاؤل البشرية بالمستقبل أشد بكثير من تشاؤمها، لإدراكها كل الإدراك أن التطورات المتلاحقة قد هدمت المفاهيم التي قامت عليها الحضارة الغربية الليبرالية، وأنها تبحث اليوم عن نظام جديد وقيم جديدة يجعل استمرارها كحضارة هي الآن في مرحلة الاحتضار تجدد شبابها الحضاري وتستمر قوةً جاذبة مهيمنة، خاصة في هذه الحقبة البالغة الأهمية والشديدة الخطورة لا بالنسبة إليها، بل أيضاً لأمم الأرض كافة، نحو حقبة من التعايش والوفاق .
* كاتب من الإمارات