تكن مشكلة شرعية الدولة القائمة في الوطن العربي مع الحركات السياسية التي نازعت في تلك الشرعية، على تفاوت بينها في درجة المنازعة وحدتها فقط، وإنما هي كانت وما فتئت مع حركات اجتماعية أخرى غير حزبية وغير سياسية (وإن لم يكن يخلو عملها من مضمون سياسي مضمر أو معلن) هي ما بات يدعى اليوم من دون تدقيق نظري في الاصطلاح باسم منظمات المجتمع المدني أو، أحياناً، باسم المنظمات غير الحكومية . فقد دخلت هذه، منذ ثلاثين عاماً، أي منذ دبّت الأزمة في العمل السياسي الحزبي وبدأ خطابه ومؤسساته في التراجع والضمور، معترك المنازعة تلك تحت عنوان حماية المجتمع من تغول الدولة وسرطانية تدخلها في النسيج المجتمعي العام . ونكاد اليوم نجدها وحدها ترث التراث الاعتراضي السياسي والايديولوجي على الدولة، الذي أنجبته الحقبة الحزبية العربية بين عشرينيات القرن العشرين وثمانينياته، وتدفع به إلى حدود وآفاق جديدة غير مطروقة .
من النافل القول إن ميلاد فكرة المجتمع المدني في الوعي العربي المعاصر يقترن بعودة الروح إلى خطاب الليبرالية العربية المنكفئ منذ منتصف القرن العشرين . لكن الميلاد هذا ليس ولادة جديدة أو تجديداً لفكرة سبق التعبير عنها، فنحن لا نجد لمفهوم المجتمع المدني سابق حضور في خطاب الليبرالية العربية في حقبة ازدهارها التاريخي بين الحربين . كانت الدولة ونظامها السياسي الدستوري والتمثيلي قضية الخطاب الليبرالي العربي في ذلك الحين . ومع أن بعض التشديد على الحرية الفردية في مقابل قيود الدولة، السياسية والاقتصادية، سرى في نصوص ليبراليين كثر مثل أحمد لطفي السيد والطاهر الحداد وميشيل شيحا، إلا أنه ما كان يكفي ليقيم ذلك التقابل التام بين الدولة والمجتمع في الوعي الليبرالي لتلك الحقبة على نحو ما هو عليه أمره اليوم في خطاب الليبرالية الجديدة، ولا كان يمكنه بسبب نوع الثقافة الليبرالية السائدة في العالم آنذاك أن يأخذ الفكرة الليبرالية إلى الفوضوية والعدمية السياسية في رؤيتها الدولة ومكانتها في المجتمع الوطني .
لا يسع القارئ في أدبيات المدافعين عن دور مؤسسات المجتمع المدني في الحد من سلطان الدولة، في الحقلين الاجتماعي والاقتصادي، غير أن يستغرب لذلك التقابل، التحدي الذي يقيمونه بين الدولة والمجتمع المدني على نحو يبدوان فيه ومعه كيانين متجافيين ومتناقضين . قد يعزى ذلك إلى فقر نظري إلى معنى المجتمع المدني ومفهومه في الفلسفة السياسية الحديثة والفكر السياسي المعاصر، ومنه العجز عن إدراكهما معاً في ترابطهما الماهوي والتاريخي . وقد يكون من علامات الفقر النظري ذاك، رسوخ فرضية في وعيهم تقضي بإمكان قيام مجتمع مدني في سياق دولة استبدادية لم يكتمل نصاب تكونها الحديث، أو تعايشها مع الاعتقاد بإمكان نهوض المجتمع المدني بإعادة تكوين كيان الدولة على مقتضى ديمقراطي وحديث، أو بإمكان توفر فرصة ميلاد مجتمع مدني كلما ضمر كيان الدولة وضؤل تأثيرها . لكن الحقيقة أن هذا الفقر النظري وهو حقيقي ومفجع تغطيه عقيدة سياسية وايديولوجية عالمية جديدة، نشأت في الولايات المتحدة الأمريكية ونمت فيها، تعيد تصنيع مفهوم المجتمع المدني على نحو مختلف تماماً عن أصوله النظرية الليبرالية . ويقوم على هذه الصناعة جيش من خبراء السياسة لا من المفكرين العاملين في مراكز الدراسات التابعة لمؤسسات القرار والمتأثرين ببعض الدرس الاثنولوجي والاثنوغرافي في علم الاجتماع .
يشدد خطاب دعاة المجتمع المدني على الحاجة إلى تخفيف سيطرة الدولة على الميدانين السياسي والاجتماعي بدعوى أن تدخليتها ورقابتها تفرضان قيداً على حريات الأفراد والجماعات، وتصادران مجالات ينبغي استقلالها عن سلطان الدولة . يوضع المجتمع المدني، هكذا، في صورة كيان مستقل في مقابل دولة تعرّض استقلال ذلك المجتمع لخطر الهضم والاحتواء لأن طبيعتها تقتضي ذلك . ولا ينتبه أصحاب الخطاب هذا إلى أن الدولة الموصوفة عندهم على هذا النحو ضعيفة الكيانية وهشة وقابلة للانفراط، إما بسبب ثقل الموروث العصبوي التقليدي وقوة مؤسساته (القبلية والعشائرية والطائفية والعرقية)، أو بسبب ضغط العامل الخارجي عليها (العولمة اليوم)، أو بسبب ضعف فكرة الدولة والوطن الجامع والقانون والأمة المدنية في المتخيل الجمعي . وهكذا لا يكون من مآل للدعوة إلى الحد من الدولة سوى زوال الدولة . يقال ذلك ويُفعل باسم النضال الديمقراطي والمدني من دون الانتباه إلى أن الدولة الوطنية القوية والراسخة هي البيئة السياسية الحاضنة للتطور الديمقراطي والمدني، ومن دون الانتباه إلى الخلط الفادح، الذي نقع فيه، بين معنى الدولة ومعنى النظام السياسي .
ليس من المصادفة أن هذه الدعوة تلقى التشجيع والدعم من مراكز خارجية، وتقترن بدعوة رديف إلى كف دور الدولة الاقتصادي باسم حماية الحق في الملكية والاستثمار وضرورة قيام اقتصاد حر . لا يمكن إضعاف الدولة اقتصادياً إلا إذا أمكن إضعافها سياسياً واجتماعياً، والعكس صحيح . تجري العمليتان بالترادف والتضافر وتلقيان الإسناد من الخارج، والهدف إضعاف الدولة من الداخل ليسهل ترويضها وهضمها من الخارج . شرعية الدولة، في هذا الخطاب، أن تكون ضعيفة أو من دون سيادة، لا تتحكم بشيء ولا تحكم شيئاً، وذلك ما تقتضيه أحكام عصر العولمة والتقسيم الكولونيالي الجديد للعالم .