المعرفة العلمية سيمفونية الحرية

04:17 صباحا
قراءة 4 دقائق

تواصل دولة الإمارات العربية المتحدة في ظل القيادة الرشيدة لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، حفظه الله، أعمال الخير لمصلحة البشرية وتقدمها في كافة المجالات، وذلك لما تمتلكه من أياد بيضاء وقلب مفعم بمشاعر سامية وفكر إنساني نبيل، وقد تمثل ذلك في توقيع مؤسسة خليفة بن زايد آل نهيان للاعمال الانسانية وجامعة تكساس الامريكية في أبوظبي يوم 18-1-2011 اتفاقية تقدم المؤسسة بموجبها للجامعة منحة مالية قدرها 150 مليون دولار أمريكي دعما لأبحاث وتشخيص وعلاج الأمراض السرطانية من خلال نتائج التحليل الجيني .

وثمّن رئيس جامعة تكساس مكرمة مؤسسة خليفة بن زايد آل نهيان للأعمال الإنسانية، مشيراً إلى أنها تجسيد لأعمال الخير التي أصبحت سمة مقترنة باسم الإمارات . وقال إن العمل البحثي سيستفيد إلى أقصى حد من هذه المنحة المتميزة، بما يعود بالخير على البشرية . واعتبر جون مندلسون رئيس مركز إم دي أندرسون لأمراض السرطان في جامعة تكساس المنحة أكبر منحة تقدم للمركز والأكبر بالنسبة للجامعة، موجهاً عظيم الشكر والامتنان إلى المؤسسة المانحة، نيابة عن مرضى السرطان والقائمين على رعايتهم في جميع أنحاء العالم على هذه المنحة الكريمة التي ستكرس لدعم الجهود المبذولة لتطبيق علاجات جديدة أكثر فاعلية . وصرح مندلسون لصحيفة هيوستن كرونيكال بأن كرم عائلة آل نهيان سيساعد جهودنا من أجل بلوغ الحلم الذي طال انتظاره والمتمثل في معالجة أورام المرضى استناداً إلى الخلل الجيني الجزئي بدلاً من تجربة المرضى الآخرين . وأضاف أن أملنا هو أن يكون باستطاعتنا بعد خمس سنوات من الآن وبفضل الأبحاث التي سترعاها هذه المنحة تقديم مثل هذا العلاج الشخصي كعلاج قياسي لمرضانا .

وكان أبرز ما توصل إليه العلماء في معالجة الأورام ما أوردته دراسة صدرت في لندن بتاريخ 5/12/ ،2010 حيث أعلن كبير الباحثين بجامعة كوين ماري عن توصل العلماء إلى طريقة لعلاج سرطان البروستاتا جذريا بعدما وجدوا أن هرمونات الذكورة تلعب دورًا أساسياً في إحداث تغيير جيني يحفز نمو الأورام، ويعد عزل الموروثات التي تنظمها هذه الهرمونات خطوة رئيسة إلى الأمام نحو التوصل إلى علاجات جديدة لهذا المرض الخطير . وقد تبلورت الحرية العلمية على يد العالمين اسحق نيوتن وجون لوك اللذين قدما تصورات ونظريات حديثة فصلت أوروبا عن القرون الوسطى ووضعا لعصر التنوير أسسه، وخلاصته أن في العالم نظاماً وانسجاماً وغائية، وأن الطبيعة تسوق الوسائل والغايات، حيث صاغ نيوتن النظرية الميكانيكية في الطبيعة التي بقيت مسيطرة على ميادين العلم حتى شيوع نظريات اينشتاين وزملائه المفكرين الذين تمكنوا من الثورة العلمية على النيوتنية واللاتجانس المحض والواقعية والتي هي مزيج من الوجود واللاوجود، وذلك للدفاع عن الحريات الدستورية وترسيخها وجعل العلوم الاجتماعية خاضعة لأحكام المنهج الفيزيائي الرياضي .

إذ تناولت نظرياته المكان والزمان والكتلة والطاقة وأثبتت أن موجات الضوء تنتشر من دون الحاجة لوجود مجال، على خلاف الموجات الأخرى التي تحتاج إلى مجالات كالهواء أو الماء، وأن سرعة الضوء هي سرعة ثابتة والتي تناقضت مع الاستنتاجات والدراسات المتعلقة بالتأملات ذات الطابع العام والتي تسعى إلى رد نظام المعرفة إلى عدد صغير من المبادىء الموجهة والتي تبحث في أصل وفي مبادىء اليقين، وتسعى للنفوذ التي جعلت العديد من المفكرين يتجهون إلى النأي عن كل تقويم أو توفيق بين النزعة الإنسانية والأخلاق الوجودية التي تعلي من قيمة الإنسان وتؤكد تفرده وتميز تفكيره وحريته .

وعندما نتأمل سير الأحداث ندرك أن هؤلاء العلماء قد أفلحوا في تنوير الفكر الإنساني، وأعطوا مفهوماً خاصاً للحرية على المستوى الفكري في المجتمعات بحيث يكون فيه الأفراد أحراراً يتمتعون بكامل القدرة على استغلال معارفهم ومنها عرضهم للنظريات الحديثة لمفهوم الحريات الكلاسيكي الميتافيزيقي، ولإيمانهم بعالمية الإنسان بقوام الحق، جاعلين بذلك من الحرية حقيقة متعددة المفاهيم ومنها الحريات المادية والحرية الشخصية بالمعنى الواسع، ومنها الحرية الملكية وحرية العقيدة والحرية العامة والخاصة، وتجاوزوا في عمق تأملاتهم كل ما عرف بالإدراك وإيجاد النظرة العلمية الشاملة في الوجود والحياة والانتقال التدريجي من الجبرية إلى اللاحتمية التي تتكون بموجبها الحقيقة الكلية، أي تمتد في الزمان والمكان فلا تتوقف على لحظة من الزمان ولا على موضع من المكان أو من خصائصها العميقة أنها لا تحمل تاريخاً، وما هو صادق الأمس هو صادق اليوم، وإنما مظهر الأشياء يتغير والأحداث تنقلب على مدى التاريخ، لكن العقل الإنساني يسمو ويجعل من الفكر في جوهره مرتبطاً بالفعل والعمل الدؤوب، والتجارب العلمية في المعمل ونتائجها العلمية بغية الوصول إلى تطابق الشيء مع المفكر المعياري والحقائق السرمدية .

وسلك العلماء السبيل المؤدي إلى إدراك العمق الحقيقي والمسار الصحيح الذي يتحقق عن طريق المعرفة الراسخة في إتمام الزمان الفيزيائي الذي هو مقياس الاختراع والدرجة العليا من الإدراك الذي تكون فيها المعرفة الفارغة في فهم أسرار الطبيعة، وذلك من خلال التفكير المرتبط بصميم حقيقة الفكرة التي تقوم على الفعالية الموحدة بين القوى الأساسية، وهي القوة التي تضيء مدننا وتملأ الهواء بالموسيقا المنبعثة عبر الأقمار الصناعية والهوائيات الفضائية والقوة الكهرمغناطيسية التي تحفظ الإلكترونات في مدارها حول النواة والناجمة عن برهنة العقل الذي يرتفع فوق الامتثال في قيمة العلم من خلال النظريات العلمية الموجودة في العلوم الطبيعية والفيزيائية حسب صيغ الرياضيات ولغة المعادلات والمتواليات والكميات السالبة والموجبة، والعمليات الفيزيائية والكيمياء والآليات الميكانيكا الحيوية والقدرة التي تمد بها التكنولوجيا الإنسان ليزيد في تقدمه ويرسم خطاً يتصاعد دائماً .

ومن المؤكد إنه فيه مع ذلك رجعات وتخلفات وتوقفات، لكن بوجه عام يمكن القول بوجود تزايد في الحريات العلمية العامة التي تقوم على أساس وأفكار إنسانية شاملة وتحفز مسيرة المعرفة التي يسهم فيها الجميع . هذا النهج الذي سار العلماء من خلاله في كل أبحاثهم مستخدمين الاستقراء والتجريب، مما مهد للبشرية اليوم أن تنعم بهذا النور والحضارة المتحضرة وبمركز الإشعاع في الكون لتعانق المصير الحي في سيمفونية الوجود، وكما قال المفكر كارل يسبرز إن الإنسان الذي يشعر حقاً بحريته يكتسب في الوقت نفسه اليقين بالله، وإن الحرية بوصفها أساساً للوجود هي والشعور بالتناهي أمران لا ينفصلان، وهي القيمة العليا وقلب الروح والمثل الأعلى لكل ضمير بالبرهان والعقل المنطقي والعقل العلمي .

كاتب من الإمارات

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"