مثلما تتوالى الانتصارات التي تحققها قوات الشرعية اليمنية في جبهات عدة جنوبي البلاد وشمالها، تتوالى بالمقابل الشهادات والحقائق عن رغبة بعض الأطراف في إدامة الصراع. ويأتي الكشف المتواصل عن إمداد إيران قوات الحوثيين والرئيس المخلوع علي عبد الله صالح بالأسلحة وأجهزة الاتصالات المتطورة ، ليصب في خانة مواصلة هذه الدولة تدخلها في شؤون اليمن ، بما يعطل كل مساعي إطلاق مفاوضات جادة مثلما تطالب بذلك حكومة اليمن الشرعية.
الأهداف الإيرانية من تدخلها في اليمن لم تعد خافية حتى وإن أنكرت طهران ذلك، وزعمت أنها لا تتدخل ولا تهرّب الأسلحة ولا تدعم الفريق الذي تجنده مالياً وسياسياً وإعلامياً. ولكنها في الواقع تعمل على خلق وضع يستحيل فيه أن يلتقي أبناء الوطن الواحد على طاولة مفاوضات والتفكير في المصير الواحد ضمن مرحلة جديدة من تاريخ اليمن ، مبدؤها «عفا الله عما سلف»، وهو أمر ما زال ممكناً ، ومن أجله يوجد مبعوث للأمم المتحدة اسمه إسماعيل ولد الشيخ أحمد الذي يواصل حتى اللحظة جهوده لتقريب فرقاء الصراع وجمعهم مرة أخرى على خطة سلمية ، تسلّم بالشرعية وتحفظ حقوق جميع كل الأطراف.
وحين تقوم طهران بتشجيع فريق من اليمنيين على مواصلة الحرب، فهي تضرب ، من جملة من تضرب ، جهود الأمم المتحدة الرامية إلى إحلال السلام. ولولا ذلك الدعم لما أمكن للحرب أن تطول كل هذا الوقت، ولوفرت على آلاف اليمنيين أرواحهم التي هدرت، والبنى التحتية التي دمرت، والجرائم المروعة التي طالت المدنيين مثلما هو حاصل منذ أشهر طويلة في مدينة تعز التي تحكي قصة مؤلمة عن واقع مرير. ومن شأن تراكم أعداد الضحايا والدمار الهائل أن تزرع أحقاداً وثارات لا تنهي ، وستكون نتيجتها المؤكدة عدم استقرار متواصل ربما لن يسمح بأي محاولات لإنقاذ الوحدة الوطنية.
في هذا الفترة من عمر الحرب الدائرة في اليمن أصبحت التنظيمات الإرهابية تعيث فساداً في بعض المحافظات المحررة من دون غيرها، فهذه التنظيمات تتبنى خطاباً مثل الحوثيين وحليفهم صالح المتورط سابقاً في علاقات مع متشددي «القاعدة» و«أنصار الشريعة»، وربما عاد مجدداً للتحالف معهم ليجمعهم مع الحوثيين في معسكر واحد هدفه مواصلة حرب مجنونة ، الخاسر الأكبر فيها هو اليمن وشعبه، وكلما تعدد المتقاتلون ضعفت القدرة على السيطرة، وهو ما يفتح أبواب جهنم على البلد ويدخله في دوامة لا تنتهي من الانقسام والاقتتال، ولا شك أن هناك أطرافاً ، في صدارتها إيران وقوى على شاكلتها، ستستفيد من هذه الأوضاع وستوظفها لمآربها الخاصة في الهيمنة على المنطقة وتحصين نفسها بمحيط يفتقد المناعة والقوة.
الفتنة، لعن الله من أيقظها، ليست حرباً مجردة، وإنما هي محرقة مزمنة يسعى فيها كل طرف إلى إلغاء خصمه، وهذا غير ممكن في الحالة اليمنية وكذلك في سوريا أو العراق، بعدما انبعثت الطائفية بعد أن قبرت لقرون. ورغم ما حدث ويحدث ما زال الرهان ممكناً على صحوة جماعية لكل الأطراف ، بما فيها إيران ، لتدبّر هذا الواقع ومعاينة مآلاته، فشعوب المنطقة يمكن أن تحلم بوضع أفضل لجميع شعوبها وطوائفها. ولن يتم ذلك إلا إذا انتصرت الحكمة على الجهل والرغبة في العيش المشترك على الأحقاد القديمة، وهما نموذجان لا يلتقيان. فقد أصبح ثابتاً عجز أي طرف عن قهر الآخرين بقوة السلاح والإرهاب، وهناك أدلة لا يشملها حصر، تؤكد أن الشعوب والطوائف التي تعايشت آلاف السنين ، يمكن أن تستمر على ذلك إلى الأبد بشرط تخلصها من سياسات الحقد والضغينة التي لا تجلب خيراً لأحد.
مفتاح شعيب