تعيش دولة الإمارات هذه الأيام مناسبة عزيزة على نفوس أبنائها وهي ذكرى قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، وتحتفل أيضاً بإنجاز تنموي علمي يواكب النهضة الشاملة وهذا العهد الزاهر عندما عملت الحكومة على توفير سُبل وطرق الإنجاز العلمي لكل مواطن، وبدعائم راسخة أرستها الإدارة القوية والعزيمة الصادقة لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وهو يوجه إلى العناية بمستوى المعلم لأنه هو الذي يقوم على تعليم أبناء الوطن ويتعهدهم بالعلوم المفيدة التي تعدهم للمستقبل وترفع من شأنهم وشأن الوطن .
وقد حرص، حفظه الله، على إرسال البعثات للدراسة الجامعية وللشهادات الكبرى، وجعل من التعليم في الإمارات نموذجاً للإنجازات العظيمة التي تحققت على أرض الإمارات، ومنطلقاً لكل خطط التنمية التي تنفذها الدولة في شتى المجالات . إذ ركز مشروع الميزانية العامة للاتحاد للسنة المالية 2012 الذي اعتمده مجلس الوزراء يوم الثلاثاء 12 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري على قطاع الخدمات الذي تصدّره قطاع التعليم باستحواذه على 20 في المئة من إجمالي الميزانية بقيمة 3 مليارات و500 مليون درهم لاستكمال تنفيذ استراتيجية تطوير التعليم العالي والبحث العلمي، وابتعاث الطلبة المواطنين للحصول على الشهادات الجامعية والدراسات العليا . كما جرت زيادة ميزانية الجامعات والكليات الوطنية بنسبة 28 في المئة لتصل إلى 3 مليارات درهم خلال عام 2012 لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الطلاب والطالبات في الكليات والجامعات الحكومية، وذلك لحرص الحكومة الرشيدة على توافر الجودة في العملية التعليمية بكل اشراطاتها، بقدر ما تلبي احتياجات الوطن وتطبيق المعايير العلمية والمهنية والفنية لمخرجات التعليم العام والتعليم العالي .
وقد كان لجهود الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، رئيس المجلس التنفيذي، أكبر الأثر في تحفيز التعليم ورعاية مسيرته في دولة الإمارات عندما أمر بزيادة رواتب المدرسين وتوفير أفضل السبل للحياة الكريمة للمعلم، وأن يرفع من شأن المعلم ويكرمه علمياً واجتماعياً، ويجعل له لائحة مميزة حسّنت أوضاعه وجعلت التعليم محط أنظار الجميع يسعدون بالانتساب إليه والعمل في مجاله، لإدراك أن الإنسان هو القاسم المشترك في العمليتين التعليمية والاقتصادية . وكذلك اهتمامه الكبير بالأبحاث وتمويل هذه الأبحاث مادياً أسوة بمختلف الدول المتحضرة في جميع أنحاء العالم، عندما قام بإنشاء مختبرات للبحث والتطوير، كل في مجال اختصاصه، مثل الأنظمة النووية وأبحاث الطاقة والأنظمة الكيميائية والإلكترونيات وأنظمة الفضاء والطيران وتقنية الليزر، إلى غير ذلك مما لا حصر له من التقنيات بالغة الأهمية على المستوى الاقتصادي والعسكري، كونها تشكل جزءاً لا يتجزأ من الخيار الاستراتيجي لتوطين التقنية . وهذا يأتي من خلال إعداد كوادر وطنية مؤهلة ومتميزة لا تتوافر إلا في الجامعات ومراكز الأبحاث العلمية المتقدمة في العالم . ولقد حرص الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي، على ذلك عندما اعتمد الشهر الماضي أسماء الخريجين من المبتعثين على نفقة الوزارة إلى المملكة المتحدة وأمريكا وأستراليا وألمانيا وفرنسا وكندا وفي مختلف التخصصات والدرجات العلمية، حيث ستشكل هذه المخرجات العلمية عنصراً مهماً في التنمية الشاملة . وكانت صحيفة الفاينانشيال تايمز قد نشرت تقريراً بعنوان الدول العربية تحاول ملء النقص العلمي، سلطت فيه الضوء على البون الشاسع بين إنجازات العلماء العرب في أوج الحضارة العربية، وبين تراجع العلوم والبحث العلمي في البلدان العربية في الوقت الحاضر .
فمنذ أن بدأت الحضارة العلمية الحديثة تسيطر على حياة الناس ظهرت للعيان مشكلة تقسيم الشعوب والمجتمعات إلى متقدمة ومتخلفة، وبالعلم سيطرت الدول المتقدمة على الدول المتخلفة، فازدياد التقدم العلمي عند الدول المتقدمة بشكل متسارع يجعل الهوة بينها وبين الدول المتخلفة تتسع وتتعمق، ولعل السبب يكمن في عدم فهم الأمم المتخلفة لحقيقة مفهوم العلم، وبالتالي الحضارة العلمية التي تؤثر في حياة الإنسان من جميع وجوهها تأثيراً كبيراً فتغيّرها تغييراً واضحاً ومستمراً لكي تكون هذه المجتمعات المتخلفة تتفاعل معها لأجل استمرار تبعيتها .
ويسجل التاريخ الحديث أن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى جاهدة إلى صدارة وإدارة الملكية العلمية والمعرفية، فقد استطاعت أن تستقبل في جامعاتها ومعاهدها طلبة العالم، وذلك وفقاً لتقرير الأبواب المفتوحة السنوي الذي يصدره معهد التعليم الدولي، بالتعاون مع وزارة الخارجية الأمريكية، حيث ازداد عدد الطلبة القادمين من دول العالم للدراسة في الكليات والجامعات الأمريكية بنسبة 2،9% فبلغ عددهم 690،923 طالباً لعام 2010/2011 . ويشكل الطلبة الذين تبتعثهم دولهم من الشرق الأوسط ما نسبته 28،8% من المجموع العام للطلبة، وقد احتلت الصين المركز الأول في عدد الطلبة المبتعثين إلى الولايات المتحدة، إذ بلغ عدد طلابها ،127،628 تليها الهند، كوريا الجنوبية، كندا، تايوان، اليابان، والمملكة العربية السعودية التي احتلت المركز السابع ضمن قائمة مكونة من 25 دولة، إذ بلغ عدد طلابها المبتعثين 15،810 ويسهم هؤلاء الطلبة المبتعثون ب 20 مليار دولار في الاقتصاد الأمريكي من خلال الإنفاق على التعليم، جاعلين بذلك التعليم العالي من بين أعلى أنواع الخدمات المصدرة للخارج .
وتسعى أمريكا إلى جذب الطلاب من كل دول العالم للدراسة في جامعاتها من أجل مد أيديولوجيتها السياسية والاقتصادية والثقافية، وتحقيق التقارب بينها وبين الأيديولوجيات والقوى الاقتصادية والصناعية الأخرى .
سيظل التعليم العالي يتصدر أجندة التخطيط لدى دول العالم، لما للعلم والمعرفة المكتسبة من دور محوري في التنمية الوطنية، لاسيما في إطار العولمة والتحول نحو المعرفة العلمية التكنولوجية لرفاه الإنسان وفائدته المادية والاجتماعية . فالتفكير والبحث العلمي هما أرقى ما يميز الإنسان المتحضر، حيث يمكّنه من وضع الفرضيات لحل المشكلات والتوصل إلى نتائج والابتكار والنقد بالاعتماد على العقل والبرهان بالدليل أو التجربة . فحينما يتغلب الإنسان على عوائق الحياة كالجهل بأدوات الثقافة العصرية والانغلاق على الذات، ويستفيد من النجاحات والإنجازات، ويتجنب الإخفاقات، فإنه يتجه نحو السعي إلى المعرفة وامتلاك المهارات والتواصل مع الباحثين وتحسين الأداء وتقوية الإنتاجية العلمية وتسريع وتيرة العلم والتقنية والارتقاء بكافة العلوم والمعارف، والمساهمة في صياغة الحضارة ومستقبلها، وتكوين مجتمعات المعرفة المستنيرة لريادة الألفية الثالثة .
* كاتب من الإمارات