الثورة اليمنية وضعت أقدامها على طريق الألف ميل بعد نجاحها في تجاوز أصعب المراحل المتمثلة في تنحي الرئيس، بشكل أساسي، بعد أن ضربت جذوره في أعماق السلطة على مدى 33 عاماً . وذلك لم يكن ليحدث لولا تصميم اليمنيين على بلوغ هدفهم والعمل له بجد وتصميم ونية صادقة، مع التركيز على سلمية حراكهم، رغم مواجهته بالرصاص، وحرصهم على وحدة البلاد وأمنها ورفض التدخل الخارجي .

وها هو الرئيس الجديد عبد ربه منصور هادي يُقسم اليمين ويتقلد منصبه الجديد خلفاً لعلي عبد الله صالح في خطوة تؤسس لمرحلة جديدة من دون صالح أو حِيَله وألاعيبه التي اعتاد عليها اليمنيون . صحيح أن هادي كان نائباً لصالح وهو من رموز النظام السابق، لكن الأهم أن البلاد وضعت أقدامها على سكة الديمقراطية من خلال الانتخابات التي فاقت المشاركة فيها التوقعات . كما أن المرحلة المقبلة ستشهد الإعداد للانتخابات العامة والتهيئة لتبني دستور جديد يمكنها من رسم مستقبل البلاد بعيداً عن تفرّد الحزب الواحد أو المحاصصة .

التغيير الديمقراطي لا يكون بكبسة زر ولكنه يحتاج إلى أعوام، وقد يتطلب الأمر جيلاً كاملاً حتى تتضح معالم التغيير والتحول إلى نظام ديمقراطي يضمن تداولاً سلمياً للسلطة ومشاركة سياسية فعلية، والتخلص من النظام السابق بشكل كامل، خاصة أن بلداً مثل اليمن تفوق سلطة القبيلة فيه سلطات الدولة ومؤسساتها، كما أن التخلص من إرث النظام السابق الذي عمل على تجهيل اليمنيين وإفقارهم وزعزعة أمنهم واستقرارهم بوسائل شتى، أحدها تنظيم القاعدة، تتطلب ردحاً من الزمن، والتعويل هنا على طول نفس اليمنيين الذين أثبتوا أنهم قادرون على تحمل المشاق والصبر في سبيل بلوغ الأهداف .

أما موضوع محاكمة النظام السابق على ما ارتكبه بحق اليمنيين، سواء على مدى الأعوام ال33 الماضية، أو خلال العام الماضي ضد المتظاهرين السلميين المطالبين برحيله، فيجب أن يطمئن اليمنيون من هذه الناحية لأن الحقوق لا تسقط بالتقادم، خاصة أن اليمن على أعتاب عهد جديد من الديمقراطية وسيأخذ القانون مجراه ومن تلطخت يداه بدماء شعبه حتماً سيأتي يوم يحاسب فيه .

أما على صعيد قضية الجنوب، فإن ما يعيشه اليمن من تطورات وتحول نحو الديمقراطية الحقيقية قد يدفع الحراك الجنوبي إلى صرف النظر عن المطالبة بالانفصال على أمل رسم مستقبل أفضل تلغى فيه التقسيمات الجهوية والمناطقية ويتساوى فيه الجميع، ما يوثق عرى دولة الوحدة ويرسّخها، وفي أسوأ الأحوال فإن الدولة الاتحادية، التي ستدرس في الحوار الوطني المزمع إطلاقه، أفضل بكثير من التشطير .

[email protected]