كشف اغتيال المعارض التونسي محمد البراهمي عن قصور كبير في أداء الحكومة والأجهزة الأمنية التونسية، لأن حادثة الاغتيال أتت بعد مرور أكثر من ستة أشهر على اغتيال المعارض شكري بلعيد من دون أن يكون للحكومة وأجهزتها دور حاسم في توقيف قتلته، مع تضارب الأنباء ما بين هروبهم إلى خارج البلاد وتحصّنهم في الجبال والمناطق الحدودية مع ليبيا والجزائر .

هذا القصور بدا واضحاً بعد كشف وزير الداخلية لطفي بن جدو، بعد ساعات على اغتيال البراهمي، أن قاتل بلعيد والبراهمي هو ذات الشخص وأن اغتيالهما كان بنفس قطعة السلاح، ما يعني أن هوية المتشدد أبو بكر الحكيم المتهم في قتل بلعيد كانت معلومة للأمن التونسي حتى قبل اغتيال البراهمي، وأنه ترك حراً طليقاً من دون ملاحقة حقيقية حتى ارتكب جريمته الجديدة .

مهما سيق من ذرائع، فإن حكومة الترويكا التي تقودها حركة النهضة الإسلامية، هي المسؤولة رقم واحد عما جرى، ولا نريد اتهامها بالوقوف وراء الاغتيال، لأن ذلك مهمة القضاء، لكنها مقصّرة في ملاحقة الإرهابيين ومتقاعسة عن توفير حماية أمنية لشخصيات تتهددها الجماعات التكفيرية، فرأس الجناح التكفيري في تونس، المدعو أبو عياض ما زال حراً طليقاً رغم أنه المطلوب الأول للأجهزة الأمنية ويصول ويجول في البلاد، مع الأخذ في الاعتبار أن رئيس الحكومة علي لعريض، كان وزيراً للداخلية في حكومة سلفه المستقيل حمادي الجبالي، ما يعني أنه ذو باع طويل في العمل الأمني ويدرك خطورة تنامي الجماعات التكفيرية في البلاد .

في العرف الأمني، فإن الأشخاص الذين هم في دائرة الاستهداف، توفر لهم الدولة عناصر حماية، حتى بالرغم من الخلاف معهم، لأن استهدافهم سيجر ويلات على البلاد ويدخلها في أتون صراعات سياسية وعنف دموي لا تحمد عقباه . لكن في الحالة التونسية فإن الائتلاف الحاكم تجاهل التهديدات التي تلقاها المعارض الراحل شكري بلعيد والنداءات التي توالت للحكومة لتوفير الحماية الأمنية له، لكن من دون جدوى إلى أن تم اغتياله، والشيء نفسه ينطبق على البراهمي .

اغتيال البراهمي يحمل إحدى رسالتين، أولاهما للمعارضة في محاولة لإسكات صوتها، بغض النظر عن الأدوات المستخدمة في التنفيذ، وثانيهما لعب خارجي يرمي إلى جر البلاد إلى دوامة من العنف والفوضى لإلحاقها بمصر وليبيا وسوريا، والكيان الصهيوني ليس ببعيد عن التخطيط وتنفيذ مثل هذه الاغتيالات بل إنه يمتهنها باتقان .

في المحصلة فإن الحادثة سيكون لها ما بعدها ولن تقف الأمور عند الاغتيال بل ستتجاوزه لتهز مكانة النهضة والائتلاف الحاكم والمجلس التأسيسي، وقد بدت بوادر ذلك في الاحتجاجات والإضراب العام الذي عمّ البلاد، والاستقالات الجماعية من المجلس التأسيسي .

لذا فإن على النهضة المسارعة إلى رأب الصدع مع المعارضة والشارع التونسي من خلال البدء في نهج سياسي جديد أساسه الشراكة الوطنية والابتعاد عن لغة التخوين والتهديد والوعيد، وهذا جرس الإنذار الأخير حتى تتجنّب السيناريو المصري الذي ستواجهه حتماً إن لم تغيّر وتبدّل .

[email protected]