الاقتصاد هو أساس أي حضارة عبر التاريخ، وأساس نهضة الأمم ورفعتها وتقدمها، وأي بلد في الماضي والحاضر والمستقبل لم تقم ولن تقوم له قائمة طالما أنه ليس لديه مقوّمات اقتصادية راسخة . وبالعودة إلى التاريخ نجد أن الحضارة الفرعونية أساسها نهر النيل الذي يعد مقوماً اقتصادياً أساسياً، وقاعدة ثابتة في صناعة إرث حضاري، وما يتصل بذلك من نهضة زراعية وصناعية أحدثت تأثيراً كبيراً في جميع مناحي الحياة، فنرى أن الآثار المصرية تستحوذ على ثلث الإرث الحضاري الإنساني . كما أن حضارة سبأ كان أساسها سد مأرب وبانهياره انهارت الحضارة اليمينة القديمة . والشيء نفسه يمكن أن يقال عن حضارة بابل التي بنيت على ضفاف دجلة والفرات .

بلادنا العربية تزخر بالعديد من المواد، لكنها للأسف ليست مستغلّة، بل إنها ضحية للهدر والتبديد، لذا نجد أن العديد من بلدان الوطن العربي تمر في أزمات اقتصادية وأوضاع بائسة انعكست على عامة الشعب وتركتهم فقراء يبحثون عن قوت يومهم . وزاد من طين هذه الأوضاع بلة، غياب الأمن والأمان وتصاعد العنف الدموي في غير مكان .

لذلك عندما نعود إلى الجذور نجد أن المنطق يقول إن الأمن والأمان هما نتاج للسعة والرخاء الاقتصادي، لأن الجائع حتماً سيخرج للبحث عن الطعام وإن لم يجده سيضطر لفعل أي شيء، فإن شبع عمد إلى الانخراط في الحياة والإنتاج . فالثورات الحقيقية هي نتاج طبيعي للجوع والفقر والظلم، أما الثورات المخملية، فهي مزيفة مدفوعة من الخارج لتحقيق مآرب وأجندات تخدم هذا الخارج الذي يوجه هذه الثورات ويدعمها، وربيعنا العربي أكبر مثال على ذلك .

من الأمثلة المشرقة في البناء وصناعة المستقبل أمريكا اللاتينية، فهي محسوبة على العالم الثالث، لكنها بدأت تتحسس خطواتها نحو المدنية والحضارة، فقد عمدت إلى استغلال مواردها أحسن استغلال، وبحثت كل دولة من دولها عن الثروات التي لديها، وأخذت في استثمارها والنهوض بالبلاد، بدعم واسع من الشعب الذي يقف خلف قيادته، لأن مردود ذلك ينعكس إيجاباً على حياة أفراد المجتمع كله والأهم من ذلك أن هذه الدول استقلت بذاتها ورفضت التبعية بعد أن كانت في السابق حدائق خلفية للولايات المتحدة، ودكتاتوريات تمص دماء شعوبها خدمة لمصالحها الضيقة ولأسيادها في أمريكا والغرب .

المؤسف أن بلادنا العربية لم تتعلم من تجارب الآخرين، ورغم أن الحضارة العربية والإسلامية التي كانت أساساً مهماً في نشوء الحضارة الغربية والإنسانية، فإننا نحن العرب والمسلمين لم ندرك حتى الآن هذه القيمة ولم نحاول استعادتها والبناء عليها، بل استعدنا الجانب المظلم من تاريخنا ووظّفناه في التقاتل والتناحر وإحياء حروب البسوس وداحس والغبراء .

[email protected]