بما أن الأمور تقاس في نسبيتها لا بمعطياتها الظاهرة، فإن انتخابات المجالس المحلية (البلديات) التي شهدها العراق الأسبوع الماضي -14 محافظة من أصل 18- تمثل حتى تاريخه أفضل المحطات السياسية في هذا البلد المضطرب. ورغم أن المنافسة دارت حول مقاعد البلديات لا البرلمان، إلا أن طابعها السياسي كان شديد الوضوح، وذلك بالنظر الى صلاحيات واسعة ذات صفة شبه تشريعية، باتت تتمتع بها البلديات في محافظاتها.
الى ذلك ورغم تهديدات روتينية تتعرض لها مثل هذه المناسبات السياسية، إلا أن ملاحظين كثراً أجمعوا على أن هذه الانتخابات هي الأكثر سلمية التي شهدتها بلاد الرافدين. ذلك أن الناس باتت على قناعة متزايدة بأن الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، هو أفضل بما لا يقاس من الاحتكام الى السلاح، هذا مع أن نبرة انفعالية عالية مقرونة بإطلاق تهديدات، شهدتها مناطق محدودة من طرف مرشحين كما في الأنبار حيث ارتفعت اصوات تهدد بإحراق الشوارع (؟) في حالة فوز الحزب الاسلامي الذي يقوده طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية. وفي النتيجة فقد تم تقاسم الأصوات بين الصحوات، التي أطلق زعماء منها التهديدات وبين الحزب الذي تعرض لتهديد لفظي.
ومع سلمية هذه المنافسة والإقبال الضعيف نسبياً (51 في المائة)، إلا أن التنظيمات الحزبية أو ما يطلق عليه في الأدبيات العراقية: الكيانات السياسية، قد اندفعت لخوض السباق، وباتت المقاطعة والعزوف من صفحات الماضي.وهذا تطور آخر حققته هذه المناسبة، بما يعزز التوقعات بأن الانتخابات النيابية، المتوقع اجراؤها نهاية العام الجاري( لم يحدد لها موعد رسمي حتى الآن )، سوف تشهد إقبالاً كثيفاً في المشاركة وبالذات على صعيد الترشح.
يشار بعدئذ الى أن الأمم المتحدة ممثلة بالمفوضية العليا للانتخابات، شاركت في الإشراف على الانتخابات، مع وجود الآلاف من المراقبين العراقيين وغير العراقيين في هذه المناسبة، بما حد من الانتهاكات والتجاوزات، في بلد لا يتمتع بسجل حافل في اجراء وتنظيم الانتخابات. وباستثناء انفعالات أبدتها زعامات محلية من الصحوات (هيئات عشائرية سنية)، فقد لوحظ أن هناك قبولاً عاماً بالعملية التنظيمية واطمئناناً لآلياتها، وخلافاً لما يجري في بلدان أخرى حيث تؤدي مثل هذه المناسبات الى تسخين الأجواء، ففي حالة العراق فإن تنظيم الانتخابات المحلية أسهم على العكس، في تبريد الأجواء، ونسبياً بالطبع، فتم إلقاء الأسلحة النارية واللجوء الى سلاح الكلمة والصوت والملصق وسائر مفردات التنافس السلمي، بما يدلل على توق العراقيين الى حياة طبيعية مدنية، يسودها تنافس سياسي محكوم بالقوانين لا بشريعة الغاب.
ولا شك أن ظروفاً داخلية وخارجية أسهمت في عبور هذا الاستحقاق بنجاح. ومنها أن العملية السياسية حققت استقراراً متزايداً، وأن نجاحات قد تحققت على صعيد الأمن والحد من نفوذ الميليشيات والجماعات المسلحة الأهلية، ومنها القناعة العامة حتى في صفوف من خاضوا النزاع الاهلي والطائفي المقيت، أن هذا النزاع قد استنزف ثروات العراق البشرية والطبيعية، وأنه لا مستقبل لهذا الخيار ولا حاضنة شعبية حقيقية له، وأن أحداً لن يكون بوسعه أن يتسيد وأن يتزعم على الأنقاض والركام.
في الظروف الخارجية فإن فوز أوباما برئاسة الولايات المتحدة، والتزامه بسحب القوات وإنهاء الوجود الأمريكي في هذا البلد، رغم أنه أثار قلق بعض الفئات التي تربط استمرار نفوذها بدوام الاحتلال الأجنبي، إلا أنه في المحصلة منح العراقيين قدراً من الاطمئنان على مستقبلهم وسيادة وطنهم، وحفزهم على البناء الداخلي لإعادة ما هدمه الاحتلال والاحتراب، واستدراك ما فات من فرص التنمية.
في النتائج، فقد أدت الانتخابات الى تعويم رئيس الوزراء نوري المالكي بعدما نجح ولو جزئيا في اختراق الخطاب الطائفي واعتماد خطاب وطني عابر للطوائف. مع الإعلاء من شأن الدولة كمرجعية ومظلة لسائر المواطنين بديلاً عن الميليشيات. ولعل تسمية قائمته ب ائتلاف دولة القانون قد أسهمت في تعزيز شعبيته وحتى افتراقه السياسي والفعلي، عن شركائه في الحكم وبالذات المجلس الأعلى الإسلامي (للثورة الاسلامية سابقاً) بقيادة عبدالعزيز الحكيم. بل بدا المالكي على مسافة من حزبه الدعوة، متمتعاً بخطاب غير فئوي، بمعنى غير حزبي هنا.
ورغم أن مجموعات تقليدية دينية، حازت بعض النتائج في مراكز غير متقدمة، فإنه من الواضح أن القوى الوطنية ذات النزوع الديمقراطي قد بدأت تستعيد حضورها في الشارع بعد طول غياب وتغييب، ولم يعد الخطاب الطائفي التقليدي يستحوذ على الناخبين كما كان عليه الحال قبل أعوام قليلة مضت. والتفتت شمل أصحاب هذا الخطاب على ضفتيه، لمصلحة قوى اكثر استنارة ولديها ما تقوله وتفعله، مثل قائمة رئيس الوزراء العراقي الأسبق إياد علاوي، وظهور قيادات سنية جديدة تتجاوز ما هو تقليدي.
في ضوء هذه المعطيات، فإن الفرصة باتت متاحة لتخلص العراقيين من كابوس النزاع الأهلي والانشطارات الفئوية والمناطقية والعرقية، وأخذ القانون باليد وبناء دويلات هنا وهناك. لقد دفع العراقيون ثمناً فادحاً قبل أن يتلمسوا طريقهم للخلاص الوطني، ويتحرروا بالتدريج من ربقة المتحكمين بمصائرهم والعابثين بمقدرات هذا البلد، ومن زينوا شريعة الغاب على أنها غلبة لهم وانتصار للحق على الباطل.
وإذا كانت انتخابات المحافظات قد شهدت هذا القدر من الحيوية السياسية والانضباط، فإن استحقاق الانتخابات النيابية يمثل فرصة أكبر، لتمكين العراقيين من اختيار نواب أكثر تمثيلاً لهم وأشد حرصاً على الوحدة الوطنية وإنجاز الاستقلال واستعادة السيادة.