في خريف عام 2008 ومع بدء ارتفاع أسعار النفط والغاز عالمياً نقل عن مسؤولين جزائريين كبار قولهم، إن الجزائر تمكنت من تحقيق إنجاز نوعي وربما تاريخي، بتقليص مديونية هذا البلد من 33 مليار دولار الى نحو 600 مليون دولار فقط .
في التصريحات إياها وردت أرقام عن زيادة في الفائض التجاري، وعن احتياطات نقدية عالية تفوق المئة مليار دولار بالعملات الصعبة .
يستعيد المرء بعض هذه الأرقام الدالة، وهو يتابع بأسف الاحتجاجات العنيفة ضد غلاء أسعار بعض المواد التموينية الأساسية، وضد غياب فرص التشغيل التي شهدتها العاصمة ومناطق أخرى من البلاد خلال الأسبوعين الماضيين .
ليست وظيفة الدولة إطعام كل فرد، فالدولة ليست رب أسرة، لكن من مهامها خلق ظروف لتأمين حد أدنى من الرفاه ومن خدمات أساسية في قطاعات التعليم والصحة والإسكان والمواصلات، وازدهار المشروعات الصغيرة والمتوسطة ووضع التشريعات المناسبة لذلك، مع وضع حد أدنى من الإعانات الاجتماعية للبطالة، وكذلك الارتقاء بالقوانين وإنفاذها لمكافحة الفساد أولاً بأول والترهل البيروقراطي . وهو ما فعلت مثله دول آسيوية صغيرة لا تملك شيئاً مما تمتلكه الجزائر من موارد طبيعية، وحققت نتائج عالية، ضمنت خلالها السلام الاجتماعي جنباً إلى جنب مع الازدهار الاقتصادي والثقة الداخلية بالنظام السياسي .
من دواعي الغرابة ما يذهب إليه بعض المتابعين بأن تشدد الدول الأروربية خلال العقد الماضي في استقبال المهاجرين من دول الشمال الإفريقي وبينها الجزائر، قد فاقم من أزمة البطالة في هذا البلد، إذا كانت الهجرة من بلد غني بموارده الطبيعية والبشرية مثل الجزائر هي الحل والمخرج، فكيف الحال مع دول أخرى لا تتوفر على مثل هذه الموارد؟ وهل مبارحة المواطنين لأوطانهم باتت هي الحل والخلاص؟
من الواضح أن ثمة أزمات متراكمة تتغذى على بعضها بعضاً في هذا البلد، في مقدمها تهديد الجماعات المسلحة المتطرفة . ولئن تحقق تقدم في مكافحة هذه الظاهرة، فإن استمرار المصاعب الاجتماعية والاقتصادية أمام الأجيال الجديدة يغذي من طرف خفي أو من باب خلفي هذه الظاهرة .
هناك الصراعات السياسية على مستوى الحزب الحاكم (حزب جبهة التحرير) والأحزاب الحليفة التي تبحث عن حصتها في السلطة، وللأسف فإن الطابع الصراعي يغلب هنا على الطابع التعددي، ما ينعكس على الأداء السياسي العام الذي تختلط فيه الشرعية الثورية بالشرعية الدستورية . كما تختلط عقلية القطاع الخاص بإدارته لمشروعات اقتصادية تابعة للقطاع العام، بعقلية القطاع العام الذي يدير مشروعات خاصة .
وفي المحصلة فإن هذا البلد ما زال بعد نحو نصف قرن من استقلاله المجيد يعاني آلام واضطرابات مرحلة انتقالية مديدة تختلط فيها المعايير والأولويات، بما يبدد توظيف الثروات العامة توظيفاً رشيداً في خدمة الرفاه العام، وبما يضمن الانتقال إلى الدولة الدستورية دولة المؤسسات والقانون . فضلاً عن مشكلة أخرى عانت وتعاني منها الجزائر، كما بعض دول المشرق وتتمثل في السعي الى أدوار إقليمية كبيرة وإلى نفوذ سياسي خارجي، ولو على حساب الوفاء بمقتضيات التنمية في الداخل، واحتساب تلك المقتضيات على أنها طموحات متواضعة لا تستحق كبير انشغال بها، مقارنة بأولوية النفوذ الخارجي والإقليمي .
هناك من يضيف إلى ما تقدم من عوامل، ما يسميه البعض بثقافة العنف التي تفعل فعلها في مجرى الحياة العامة والاجتماعية، وحيث تتخذ الاحتجاجات على الدوام طابعاً عنيفاً صاخباً، حتى لو كانت المطالب المرفوعة متواضعة أو عادية مما يحدث في بلدان ومجتمعات أخرى ولكن مع منسوب أقل للعنف وانفعالات الشوارع، علماً بأن ثقافة العنف تتغذى على مثالات متوارثة وفي الوقت ذاته تجد سنداً لها في التلكؤ أو التقصير في إشاعة ثقافة القانون التي تتعالى على الارتخاء أو التشدد، وتستهدف إشاعة وتطبيق حكم القانون على جميع المستويات، بما ينزع من النفوس والأذهان الحاجة للجوء إلى العنف والتسبب بإيذاء الذات والآخرين، وبما يوفر القناعة بوجود قنوات مشروعة ومجدية لإبداء الاعتراضات والتظلمات وضمان التمتع بالحقوق، وهو ما تمت الإشارة إليه في الانتقال غير الناجز من الشرعية الثورية الى الشرعية الدستورية، التي تضمن حقوق الأفراد والجماعات وتضبط المنازعات السياسية والاجتماعية، بعيداً عن تسييس القانون أو انتقائية تطبيقه .
بداية ليست كما يرام للعام الجديد في بلد المليون شهيد، وقد يكون لهذه البداية ما بعدها خلال العام الجاري، إذا لم يتم تطويق الأسباب العميقة لهذه الاحتجاجات ووضع سياسات عاجلة وفي المدى المتوسط لمعالجتها، ولاكتساب ثقة الرأي العام وخاصة الأجيال الجديدة، في ظل عقد اجتماعي وسياسي ترتضي به سائر القوى والتيارات السياسية وتسهر على حسن تطبيقه .
والمأمول خلال ذلك ألا تتم مقارنة الوضع في الجزائر العزيزة التي لا تحتسب دولة فقيرة، بمصاعب جسيمة تعاني منها بلدان شقيقة كالسودان واليمن ومصر وغيرها، والخلوص من ذلك إلى طمأنة الذات وتهوين المصاعب مقارنة بالغير، فالأصل أن تتم المقارنة مع تجارب تنموية ناجحة ومتقدمة في الشرق والغرب، لا مع الإخفاقات والتعثرات هنا وهناك .