بلد عربي محكوم بالتجاهل التام

04:40 صباحا
قراءة 4 دقائق

يود الكاتب أن يستميح القارئ عذراً في التحدث قليلاً بضمير المتكلم، وهي صيغ يأنف الكاتب استخدامها كمبدأ وفي الظروف العادية:

أقرأ مثل ما يقرأ غيري، أسمع كما يسمع سواي، نتفاً من أخبار بلد عربي في القرن الإفريقي . يتعذر عليّ متابعة الأخبار جميعها، ليس لأنها غير ذات أهمية، بل لأنها أخبار دامية مؤلمة تهز المشاعر وتقض المضاجع . تتكرر هذه الأخبار على وتيرة واحدة: أعمال عنف في الشوارع، صبية مسلحون ونساء يمتشقن السلاح، ومع ذلك فإن الرجال المدربين أقوياء البنية يتفوقون ولا يتوانون عن استهداف الأطفال والنساء . لا أحد يحكم عملياً ذلك البلد . السلاح وحده هو من يتولى الحكم والحسم في خلاف حول مصلحة عابرة أو سماع الموسيقا أو متابعة مباريات كأس العالم . في الأيام الأخيرة سقط ضحايا سمعوا أنغاماً أو أتيح لواحد منهم متابعة مباراة كرة قدم . هناك طرف يحكم نظرياً هو اتحاد المحاكم الاسلامية، لكن مجموعات شبابية إسلامية تعتبر أن اسلامية الحكم بقيادة شريف أحمد غير كافية ولا تجسد صحيح الدين .

يتمرد شباب يملك أسلحة ومستوى قتالياً أفضل مما لدى رجال الشرطة والجيش، وقد تمكن هؤلاء من السيطرة على جنوب البلاد ووسطها، بما في ذاك أجزاء واسعة من العاصمة مقديشو . الحكومة استقال نحو نصف عدد أعضائها . مجلس النواب مشلول . الكلمة الفصل هي لمن يفوز في السجال الدموي في الشارع . الأفلام التلفزيونية تعرض بلا انقطاع مثل هذه المشاهد، وصور أخرى عن مشاهد قرصنة لشبان هجروا اليابسة إلى أعالي البحار لممارسة مهنة قديمة تخالف القانون الدولي . لكن حماة هذا القانون بالكاد يستذكرون بلداً اسمه الصومال . يموت الناس هناك كل يوم وعلى الهواء مباشرة لغير ما سبب . يرتكب القتلة ما يقترفونه لغير سبب، سوى ربما لكونهم يحملون سلاحاً، فلا يُعقل أن يظل في أيديهم من دون أي استخدام له! وقد يحمل القتل فائدة ما من قبيل السطو على حلية صغيرة أو بضعة دريهمات من القتيل والقتيلة .

تتكرر وقائع تقويض الإدارة وكل ما ينظم الحياة الاجتماعية والاقتصادية كل يوم . شبان يائسون هائمون على وجوههم يحملون أسلحة رشاشة لا يدرون ما يفعلون بها وسط الخرائب . يتبارزون في القنص، فيطلقون الرصاص على هذا أو ذاك، أو حتى على بقرة شاردة أو مركبة هاربة أو شجرة نصف جافة .

يعلم من يعلم والكثير يعلمون أن الصومال دولة عربية انضمت إلى الجامعة العربية في العام 1974 بعد أربعة عشر عاماً على استقلالها، وهي تحاذي اليمن . لكن العالم العربي بما في ذلك جامعته القومية لا يعبأ ببلد العشرة ملايين نسمة، كذلك العالم الاسلامي رغم أن الصومال من الدول المؤسسة لمنظمة المؤتمر الإسلامي، ومن أوائل الدول الإفريقية التي اعتنق أهلها الاسلام في السنوات الأولى للدعوة حتى احتُسبت منارة الإسلام في الشرق الإفريقي . تعرضت الصومال لغزوات متعاقبة من إثيوبيا (الحبشة) على مر التاريخ، وكان آخرها الغزو الإثيوبي في العام 2007 والذي انسحبت قواته في العام 2009 وحلت محلها قوات للاتحاد الإفريقي يبلغ عديده نحو ثلاثة آلاف جندي، دون أن يفلح هؤلاء في وقف الفوضى المسلحة القبائلية والعقائدية والفردية .

للبلد تاريخ في المقاومة المسلحة على مدى قرون ضد المستعمرين البريطانيين والفرنسيين والإيطاليين، فلما انكشف العجز المديد عن بناء أركان دولة، فقد جرى ابتعاث هذا الإرث الوطني المسلح وتوظيفه في أعمال عنف داخلي وفي حرب أهلية مفتوحة لا تثير اهتمام أحد، وإذا أثارت اهتمام منظمات إغاثة أياً كان لونها وهويتها، فإن هذه الهيئات سرعان ما تصبح موضع استهداف .

في الأيام الأخيرة تحدثت تقارير عن هجرة كثيفة إلى كينيا المجاورة، وهناك يتم استقبال اللاجئين بكل أنواع العسف والتنكيل، بما في ذلك ترويع الأطفال واغتصاب النساء البائسات في وضح النهار وعلى الملأ .

ما زالت الصومال دولة عربية ولديها ممثل أو مندوب في الجامعة العربية . قد لا يستطيع العالم العربي فعل الكثير على التو للدولة الفاشلة والمجتمع المنكوب، لكن إبداء الاهتمام ضروري وهو في متناول اليد . من قبيل مخاطبة الصوماليين المتنازعين، وتذكيرهم بأنهم إذا ما وقفوا مع أنفسهم وشعبهم، فإن أشقاءهم العرب سوف يقفون معهم . الصومال دولة فقيرة من دون أن يعيبها ذلك، ومن دون أن يشكل ذلك عائقاً أمام الاهتمام العربي، ودون محاولة اجتذاب المتنازعين إلى السلم الأهلي، وتبيان الفوائد والمزايا القابلة للتحقيق في حالة وضع السلاح جانباً، والاحتكام إلى الانتخابات وإلى قوانين عامة يستظل بها الجميع .

لا يحدث تطور بسيط يدلل على حد أدنى من الاهتمام . البلد المنكوب متروك لمحنته المتناسلة، التي توفر مادة مثيرة لا تنقطع لبرامج إخبارية تلفزيونية، رغم أنها لهول وقائعها تعز مشاهدتها على المشاهد . العالم العربي يكاد لا يأخذ علماً بما يجري هناك، ويكاد يتخلى عن هذا البلد العريق الذي ربطته علاقات تجارية وثيقة، قبل عشرات القرون مع الجزيرة العربية، وقبل آلاف السنين مع الفراعنة والفينيقيين، وأصبح بالتالي جزءاً لا يتجزأ من تاريخ وجغرافية المنطقة، ومن إفريقيا العربية والمسلمة، وليس مجرد بلد بعيد يقوم بتصدير الموز الصومالي وعدائي المسافات الطويلة للأندية الرياضية .

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"