تجربة الفيدرالية في السودان

04:30 صباحا
قراءة دقيقتين
فيصل عابدون
ناقش مجموعة من الصحفيين والخبراء في الخرطوم خلال الأسبوع الماضي الأسباب التي قادت إلى فشل الفيدرالية في السودان . ولحظ المتحدثون خلال النقاشات أن الفيدرالية بما هي نظام لإدارة الدولة، حققت نجاحاً كبيراً في دول مثل الهند، العملاقة في مساحتها الجغرافية وفي تجربتها الديمقراطية
، ومن بين تجارب عديدة ناجحة في دول العالم الثالث أشاد المتحدثون بتجربة إثيوبيا، الجار الشرقي للسودان .
طبقت إثيوبيا النظام الفيدرالي بعد عهود متطاولة من الاستبداد والحروب المهلكة والنزاعات . وأدى التطبيق الصحيح للنظام الفيدرالي إلى إحداث نقلة كبيرة في هذا البلد، حافظ على وحدته واستقراره السياسي، أوقف النزاعات المسلحة والنزعات الانفصالية وأطلق موجة طموحة من مشروعات التنمية الاقتصادية والتطور والبناء، وأصبحت إثيوبيا اليوم نموذجاً للنمو المتسارع وواحة للاستقرار . لكن في السودان بدت الصورة مغايرة تماماً .
ففي العام 1991 أصدرت حكومة الرئيس عمر البشير العسكرية مرسوماً دستورياً باعتماد الفيدرالية نظاماً لإدارة الدولة . وبعد مرور نحو ربع قرن من ذلك التاريخ، كان حصاد التطبيق السيئ تمزقاً لأوصال الدولة تمثل في انفصال الجنوب الذي يمثل ربع مساحة البلاد، وظهور بؤر توتر جديدة تحولت بسرعة إلى ساحات حرب ونزاعات مسلحة في أقاليم دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، وتعاظمت النزعات القبلية والعشائرية مع تلاشي هيبة الدولة، وتعرقلت التنمية وساد الاضطراب حياة الناس ومعاشهم .
لقد أشار المتحدثون إلى أسباب كثيرة وراء فشل الفيدرالية في السودان وكلها بالإجمال أسباب صحيحة، لكن السبب الأهم الذي غفل عنه المتحدثون، أن الفيدرالية لا تنمو ولا تمنح ثمارها من دون وجود نظام ديمقراطي حقيقي . فالفيدرالية لا تنمو في ظل الاستبداد والشمولية .
ذلك أن فلسفة النظام الفيدرالي تستند على تقسيم السلطة السياسية والثروة المالية على أبناء القوميات المختلفة في الولايات المكونة للاتحاد، وليس تركيزها بين يدي المركز . بينما تعمد النظم الاستبدادية إلى إحكام قبضتها على وسائل السيطرة والنفوذ والثروة وترفض أي مشاركة في إدارة الدولة، وهي تفعل ذلك بالقوة القهرية في غالب الأحيان وبالحيلة والمكر في أحايين أخرى .
والذي لا يختلف عليه اثنان أن نظام الحكم الفيدرالي هو النظام السياسي الأمثل لدولة كبيرة ومتعددة الأعراق والثقافات والأديان مثل السودان، لكن تطبيق الفيدرالية يجب أن تسبقه إصلاحات واسعة باتجاه دمقرطة الحياة السياسية وإنهاء الشمولية والاستبداد، ذلك أنه إذا كانت الفيدرالية هي الشجرة المثمرة، فإن الديمقراطية هي التربة الخصبة والماء .
وعلى الرغم من أن نقاشات المشاركين في مسألة الفيدرالية تناولت بحذر شديد قضية الإصلاح السياسي وضروراته، إلا أن مجرد طرح مثل هذه القضايا للتداول في وسائل الإعلام الحكومية خطوة تبعث على التفاؤل بتواصل النقاشات واتساعها وإمكانية سماع مشاركات أشد جرأة تشخص الداء في المشهد السياسي السوداني وتصف له الدواء .

[email protected]

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"