تحصين الموقف العربي ضمانة للمصالحات

05:08 صباحا
قراءة 4 دقائق

تفاءل من تفاءل بالمصالحات التي جرت في قمة الكويت، وأبدى تشاؤمه من تشاءم، ولكل أسبابه وحيثياته في اعتماد موقفه. والثابت بعدئذ أن الجميع ينشد المصارحة والمصالحة على أسس جدية مستدامة، وما هو أبعد منها في إحياء النظام العربي الرسمي وشحنه بالفاعلية.

وفي القناعة أن التطورات الأخيرة التي شهدتها المنطقة والعالم تفرض التقاء عربياً في التعامل معها، بما يمثل ركيزة موضوعية لرأب الصدع. وأهم التطورات هي الحرب على غزة وتوابع تلك الحرب، ثم تنصيب أوباما رئيساً للدولة العظمى خلفاً لبوش، الذي يكاد المرء لا يصدق أن عهده المشؤوم قد انطوى.

هناك مساحة واسعة لالتقاء جهود أطراف رئيسية عربية، في التعامل مع توابع تلك الحرب البربرية التي أبلى المقاتلون بلاء حسناً. المساحة تبدأ بالاتفاق على إعمار القطاع المنكوب ومد يد العون الى المشردين وذوي الضحايا، وتمر بالعمل على رفع الحصار وفتح المعابر بما في ذلك مع الضفة الغربية (الجناح الثاني للوطن) لا مع مصر فقط، ولا تنتهي بتحقيق مصالحة فلسطينية تقوم على شراكة وطنية وبرنامج ائتلافي، ضمن أسس ديمقراطية تضمن وحدة الأرض والشعب والمؤسسات، وتكفل إدارة معركة ناجحة مع العدو، وتضع حداً لتضارب البرامج وتعدد المرجعيات الداخلية والخارجية. ذلك يتطلب الاحتكام الى الشعب والالتفات اليه، ويعلم القاصي والداني أن الشعب هو من دفع من لحمه الحي الثمن الأكبر للصمود. لا يقتضي ذلك المسارعة الى الانتخابات، بل السعي الى وفاق وطني تشارك فيه سائر المكونات السياسية والاجتماعية، ذات الصفة التمثيلية والاعتبارية في القطاع وفي الضفة الغربية. وقد لا يجد العرب الكثير ليقدمونه على هذا الطريق، إذا لم يتمتع أهل القضية أنفسهم بإرادة سياسية للتلاقي، وإبراء جروح شعبهم المكلوم، ودفع قضيتهم الوطنية الى الأمام. وتجربة العامين الماضيين هي خير دليل على صحة هذا الافتراض.

من الطبيعي في ضوء ذلك ألا يتغذى الانقسام الفلسطيني بانقسام عربي، وأن تفتح المصالحات الأبواب، أمام موقف عربي متجانس يدعم التوجه نحو التوحد الفلسطيني بغير لبس أو إبطاء. وإن بقيت هناك مساحة للاختلاف في الاجتهادات داخل الجسم السياسي العربي أو الفلسطيني.

في الموقف من الإدارة الأمريكية الجديدة، فإنه من الواضح لكل ذي عينين ولكل صاحب بصيرة، ان التوجهات المبدئية لإدارة الساكن الجديد في البيت الأبيض، لا تكفي للتعويل عليها. لقد ألقى الرئيس الرابع والأربعون خطاباً جيداً في حفل تنصيبه الثلاثاء الماضي 20 الجاري، لكنه لم يلبث بعد يومين أن اعقبه بخطاب سيئ تناول فيه الصراع العربي - الاسرائيلي لمناسبة تسمية مبعوث له إلى المنطقة (السناتور جورج ميتشل). لقد بدت الدولة العبرية المحتلة والمعتدية في الخطاب غير مطالبة بشيء تقريباً، وكل المطلوب فعله ملقى على عاتق حركة حماس.. علماً بأن الاحتلال البغيض، قائم قبل عشرين عاما من نشوء الحركة.

وبدا الأمر أسوأ لدى تناول ما عرف بمبادرة السلام العربية، إذ ذهب الرئيس الجديد للقول إنها تتضمن عناصر إيجابية وبالاستناد الى هذه العناصر على الدول العربية أن تبادر على حد قوله للتطبيع مع الدولة العبرية. وهو استخلاص سقيم لا يقع فيه السذج. فالمبادرة أشبه بصفقة متكاملة، يستحيل عزل بعض عناصرها عن البعض الآخر، وإلا لانتفت عنها صفتها هذه كمبادرة ورزمة متكاملة.

استندت مصالحات الكويت بين ما استندت اليه، الى الإعلان عن أن المبادرة لن تظل موضوعة على الطاولة كما أعلن العاهل السعودي بلغة واضحة. هذا الموقف السليم يتطلب صوغ تحركات عربية، تستند الى أن سبعة أعوام تقريبا قد مضت على المبادرة التي أطلقت في قمة بيروت.. وما حدث خلال ذلك أن الطرف الآخر لم يكتف برفضها، بل شن في الأثناء حروباً مدمرة على الضفة الغربية ولبنان وقطاع غزة.

المناخ العربي الجديد يتطلب الإقدام على سياسات حازمة وحصيفة مع إدارة اوباما، بإبلاغ إدارته في السر (عبر القنوات الدبلوماسية) وفي العلن (وسائل الإعلام) بأن مقاربته للوضع في الشرق الأوسط، كانت سيئة في اليوم الثالت لتوليه سلطاته. وأنه كرر منطقاً متهافتاً غير نزيه طالما انزلقت إليه الإدارة السابقة، بما وصمها بأسوأ النعوت من العالم وحتى من الديمقراطيين (حزب أوباما)، فماذ يعني الانزلاق الى تكرار تلك المواقف المتحجرة غير المسؤولة؟

نحن إزاء إدارة تغدق في إطلاق وعود وردية، وتبشر بالاختلاف والتجديد. حسناً، على أركانها البرهنة على صحة ما ينسبونه لأنفسهم، وألا ينتظروا من العرب التصديق والتسليم، في غيبة سياسات جديدة بالفعل. لقد آن الأوان لمخاطبة العالم الخارجي بهذه اللغة، والكف عن الدبلوماسية التقليدية المقيدة، التي لا تقول شيئاً، ولا تعكس إرادة سياسية يُعتد بها ويُحسب لها حساب.

من المهم والمصيري في أجواء المصالحات العربية، أن تتم مخاطبة واشنطن بلغة جديدة وروحية مغايرة، لتحريك الساكن وكسر الجمود، والتطلع لإنجازات حقيقية وفعلية والاستفادة من التجربة المرة والغثة في التعامل مع بوش، الذي أسرف في الكذب ووجد من يصدقه.

بناء الثقة مع الإدارة الجديدة يبدأ بالاحترام: احترام حقوق العرب وعقولهم ومصالحهم، واحترام أية خطوة ملموسة قد تقدم عليها الإدارة الجديدة، والإقلاع عن الاكتفاء بالكلام الإيجابي مهما أثار الطرب في نفوس سامعيه.

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"