تسييس الأمن النووي

05:17 صباحا
قراءة 4 دقائق

بدا انعقاد مؤتمر الأمن النووي الأول في واشنطن، خطوة نوعية في الاعتراف بالمخاطر النووية التي تهدد كوكبنا، وقد جاء انعقاده في أعقاب تحركات روسية- أمريكية جديدة لتخفيض مستوى الترسانتين النوويتين الأكبر في عالمنا . وكان الرئيس اوباما أعلن في مستهل عهده انه عازم على المضي في بناء عالم بلا أسلحة نووية وهو الحلم الذي يراود البشرية، ولم يكن إعلان الرئيس المتربع حديثا في البيت الابيض آنذاك بغريب على نزعته التحررية ذات الافق الانساني التي تبدت في أثناء حملته الانتخابية .

انعقد المؤتمر في أجواء شبه احتفالية مفعمة بالآمال الكبيرة والوعود الكبرى التي تبحث عن فرصة للتحقق . وحظي المؤتمر قياساً إلى طبيعته بمشاركة واسعة ضمت ممثلي 47 دولة، عدد كبير منها لا يمتلك أسلحة أو منشآت نووية وذلك للتدليل على أن حلم إخلاء العالم من أسلحة الدمار الشامل يشمل الجميع، وأن هناك دولاً لا تحوز هذه الأسلحة وتحظى بالأمن ومهابة الجانب .

وبينما تدارس المؤتمر سبل السيطرة على المواد النووية، وأعد برنامجاً طموحاً لذلك حظي بموافقة عامة، إلا أنه رغم طموحاته المعلنة لم يبرأ من تسييس مسألة الأمن والسلم الدوليين . فقد غلبت على المؤتمر قضية راهنة تتعلق بالملف النووي الإيراني والسعي لفرض عقوبات مشددة على هذا البلد . وبالنظر للتطورات التي لا تتوقف على هذا الملف فإنه يستحق البحث حقاً، غير أن تداوله تم في إطار سياسي وليس من منظور أمني استراتيجي شامل ومتوازن . لم تدع طهران للمؤتمر لا هي ولا بيونغ يانغ لسماع وجهات نظر ممثليهما وكي يسمع هؤلاء ملاحظات دول العالم . على خلاف ذلك دعيت تل أبيب وشاركت بوفد منخفض على مستوى وزاري بعدما كانت اعلنت انها ستشارك على مستوى عال . تخفيض مستوى المشاركة تم كما قالوا تفادياً لحرف المؤتمر عن مساره أما الحرف المقصود فهو ما انطوت عليه تصريحات تركية لرئيس الوزراء رجب طيب اردوغان في باريس بأن انقرة تعتزم طرح الملف النووي الإسرائيلي على مؤتمر واشنطن . خبراء أتراك ومصريون أومأوا إلى ذلك في مؤتمر عقد في القاهرة قبل أسبوع من عقد مؤتمر واشنطن .

غير أن أعمال المؤتمر لم تنبىء بشيء من ذلك . جرت التعمية مجدداً على الملف الإسرائيلي وهو ما أثار بهجة وزير الاستخبارات دان مريدور رئيس وفد حكومته الذي وصف المؤتمر بأنه جرى في أجواء طيبة ولم يتطرق أحد لذكرنا .

مصادر متطابقة تقدر ما تمتلكه تل ابيب من رؤوس نووية بين 200 و300 رأس نووي حربي، إضافة إلى أسلحة نووية تكتيكية مثل الألغام والقذائف، مع قدرة مقاتلات إف 16 الأمريكية التي تنفرد تل أبيب بامتلاكها على التزود بصواريخ نووية وكذلك الحال مع بعض الغواصات التي تمتلكها . يعود المشروع النووي الإسرائيلي إلى بداية خمسينات القرن الماضي، وبعد بضعة أعوام على نشوء الدولة الصهيونية على أرض فلسطين وتفرض تل أبيب تكتماً حديدياً عليه ولا تُنكر مع هذا التكتم وجوده .

وقد فتحت هذه السابقة سباقاً للتسلح النووي شمل الهند وباكستان، مع طموحات إيرانية بالمضي قُدُما في تخصيب اليورانيوم وفي إضفاء غموض على مستقبل هذا الملف . مع ذلك تستثني واشنطن وبقية المعسكر الغربي الملف الإسرائيلي من البحث . وكان الاعتقاد أن فتح الملف النووي الإيراني يمثل فرصة لتعزيز التطلع لإخلاء منطقتنا من أسلحة الدمار الشامل، لكن الذي حدث ويحدث أن التعامل الغربي مع التطورات الإيرانية أسهم في المزيد من التعتيم على القدرات النووية الإسرائيلية، مع نشر انطباعات مضللة وبالغة الخطورة بأن تل ابيب هي عضو غير رسمي في نادي الكبار النوويين الذين تضمهم العضوية الدائمة في مجلس الأمن، وهي بالتالي غير مدعوة للتخلص من أسلحتها، وهذا هو المقصود بتسييس مؤتمر واشنطن الذي وضع الأمن والسلم الدوليين في أسر مصالح سياسية .

مع ذلك لم يجد المؤتمر في ختام اعماله الثلاثاء الماضي 13 ابريل/نيسان الجاري مناصاً من دعوة جميع دول العالم التي لم توقع على اتفاقية حظر الانتشار النووي لعام 1970 للتوقيع عليها وتسهيل مهمات المفتشين الدوليين لوكالة الطاقة الذرية، بما ينسجم مع أدبيات المؤتمر وديباجته . وقد سارعت تل أبيب في اليوم التالي إلى إصدار تصريح على لسان وزير الحرب إيهود باراك قال فيه: بما أن تل ابيب لم تنضم لتلك الاتفاقية، فهي ليست ملزمة بإثبات عدم امتلاكها لأسلحة نووية، أو السماح لمفتشين دوليين بدخول منشآتها النووية .

بهذا فإن الأمر لا يقتصر على تخفيض مستوى المشاركة في محفل دولي، بل يتركز على التنصل من اتفاقيات ذات طابع أممي ورفض التوقيع عليها أو الالتزام بمندرجاتها، وهو موقف لا تقول بمثله كوريا الشمالية أو الهند أو إيران أو باكستان، وذلك في سياق نهج إسرائيلي أعم يقوم على إدارة الظهر لما تم التوافق عليه بأنه شرعية دولية أو قانون دولي . ولعل محمد البرادعي المدير السابق لوكالة الطاقة الذرية والمرشح غير الرسمي لانتخابات الرئاسة في بلاده، يتطوع لشرح لغز استثناء تل ابيب من الخضوع للمعايير الدولية بما يتعلق بالمنشآت النووية .

أما سبب إقصاء الملف الإسرائيلي عن البحث في مؤتمر واشنطن، وتبديد هذه الفرصة في وجود تركيا وأطراف عربية في المؤتمر فهو ما لم تتضح تفاصيله .

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"