شهد العقد الأول من القرن ال 21 تغيرات جوهرية في النظام الدولي، ما جعله علامة فارقة في تاريخ العالم؛ كان أبرزها تراجع القوة العسكرية للولايات المتحدة، أقوى دولة في العالم . إذ وضعت هذه التغيرات حداً لقيامها بمهام خارجية بعدما مُنيت بخسائر فادحة خلال حربي أفغانستان والعراق اللتين أنهكت قوى الوحدات المقاتلة وأزهقت أرواح آلاف الجنود، ودمرت المعدات الأساسية للجيش الأمريكي، وحتى تستعيد قوتها ومكانتها قد يتطلب الأمر ردحاً من الزمن .
لقد سلطت عدة مذكرات لشخصيات أمريكية من فريق عمل الرئيس السابق جورج بوش الضوء على الأحداث خلال ذلك العقد كان آخرها كتاب في زمني: مذكرات شخصية وسياسية المنشور في 30/8/2011 لديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي (2001 - 2009) الذي كان يُوصف بأنه الحاكم الفعلي للولايات المتحدة في عهد الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، حيث دافع عن دوره في تحديد مسارات السياسة الخارجية للإدارة الأمريكية خلال السنوات الثماني الأولى من العقد الماضي، مبيناً أنه لم تكن لديه أي نية لترشيح نفسه للرئاسة الأمريكية حينما كان على مشارف السبعين من عمره، إذ حصل على سلطات واسعة بتصريح من الرئيس الأمريكي اتخذ من خلالها عدداً من القرارات المصيرية الكارثية جعلته من أكثر النواب الأمريكيين تأثيراً في التاريخ الأمريكي، وبرر أن سياساته والإجراءات التي اتخذها لم تكن غير قانونية أو لا أخلاقية على الإطلاق، لأنها أسهمت في المحافظة على أمن الأمة الأمريكية، وحصول السلطات الأمريكية على معلومات حيوية حافظت على سلامة أراضيهم من المخاطر الخارجية .
إذا كان العالم قد تكسرت حواجزه وتهدمت أسواره بفعل التطور الفكري السياسي والتقني، فإن الذي لا شك فيه أن هذا الكون يخضع لهيمنة بعض الشخصيات السياسية الكبيرة من جراء طغيان الحكم وانحطاط في نوعية التجارب الشخصية . فالمعايير نبذت جانباً وحلّ محلها إدراك مشوش وغامض بالفراغ اللانهائي وبالخواء العقيم، وهو ذاك الزمن الحاضر، حيث إن فكرة الزمن والفقدان مرتبطة والعالَمَ الذي يكبر، والقيم تتهاوى بعد أن حلت القيم المادية محل الاعتبارات الإنسانية، في زمن لا يرى ثمة انفصاماً بين الروح والشكل، وما بين الوجود والعدم، والذي يمثل الينبوع الدافق للوجود المحض من الوجود والعدم، يمثل ينبوعاً دافقاً للوجود المحض الذي يبدأ لحظة جديدة في التطور الحضاري داخل الحضارة الواحدة، مركز الصدارة في كل مراحلها من خلال العودة إلى الوجود الذاتي الأصيل .
وكان على كل حضارة ظفرت بتمام دورتها أن تقوم روحها بهذا الفعل الشعوري المتقد، بحيث يصبح الإنسان مركز المنظور ومعيار التقويم في سياقه الوجودي الحقيقي في ظل وعي كامل بالذات الإنسانية في مواجهتها للموضوعات الخارجية، ويغدو كل شيء للإنسان ولا شيء ضده بصفته مقياساً للأشياء جميعها، ويحقق بقدراته التجديد والتقدم والنماء . فلكل حضارة عواملها الخاصة في إيجاد التوجهات نحو الإنسانية جمعاء . حيث إن البشرية ينبغي أن تبحث عن الحقيقة من خلال المنطق والأدلة المنظورة والمناهج العلمية، لكنه يشترط أن القرارات عن الصواب والخطأ ينبغي أن ترتكز على المعرفة الفردية والمصلحة العامة . وارتبط هذا الاتجاه الإنساني بالفكر الوجودي حينما فقد الإنسان الشعور بقيمته وحريته، وشعر باليأس بسبب الخوف من الموت والدمار والفناء الشامل الذي خلفته الحربان العالميتان، فأصبح في حاجة أكبر إلى الإحساس بقيمة وجوده وأهمية الحياة والقيم الإنسانية الصادقة، والعيش بمسؤولية تجاه مجتمعه ودولته والعالم أجمع .
وتميز هذا الاتجاه بتأكيد فردية الإنسان والدفاع عن حريته والثقة بطبيعته وقابليته للكمال، ونشر الوعي الفردي من خلال التربية العملية والنظم الاجتماعية العادلة، والاعتماد على العمل الجاد، وتعزيز الرؤى الإنسانية الدنيوية، والإيحاء بالأفكار التحررية إلى قادة الفكر، كما حدث قبيل الثورة الفرنسية، وتأييد الدول القومية وحكم الفرد وإمكانية تحقيق التقدم في مناحي الحياة كافة، والرخاء الاقتصادي للشعوب . لكن كثيراً مايتم انتقاد هذا الاتجاه الإنساني لعدم تمكنه، إلى يومنا هذا، من تحقيق كل ما يهم البشرية وقضاياها، فالإنسان، بالرغم من إنجازاته العلمية، لم يحسن تسخير العلم لمصلحة البشر وأستخدمه في القتل والتدمير، وحدثت هوة بين التقدم المعرفي والتقدم الأخلاقي الذي هو حصيلة لتطبيق المبادئ الإنسانية الخيّرة والخالدة ما أدى الى انتشار الشرور . فقد أخفقت عصبة الأمم ومن بعدها الأمم المتحدة في تسوية مشكلات العالم، وما ظهور حركات كالفاشية والنازية والحروب العالمية والإقليمية والأهلية إلا دليل آخر على الإخفاق وتصدع كل الضمانات لإمكانية عيش الأفراد كبشر على أساس الحرية والعدل والسلام في العالم، وتتشظى جميع الحقائق وتتداعى جميع القيم، فلم يعد بالإمكان اليوم الاستمرار في تصديق تصورات الإنسان عن نفسه، فهو غارق في عالم لم يختره ولم تكن له يد في صنعه، وأسير لوضعيته المشروطة بحتميات متعددة .
والمطلع على كتاب تشيني يجد صورة حية هي أن الغربيين فقدوا اهتمامهم بتاريخ الحضارات، وينظرون إلى العالم العربي نظرة تكاد تكون جغرافية محضاً، وأنه جزء من الأرض قامت عليه في وقت ما حضارات عظيمة، والآن تسكنه شعوب فاتها ركب الحضارة المعاصرة ولم يبق لها من حضارتها القديمة إلا أضغات أحلام، وأن المجتمع العربي مجتمع تاريخي لا يقبل التطور وتطوره ليس إلا تطوراً تقليدياً يقف عند منجزات الماضي وحب السلطة والاقتتال المرير من أجلها، وطوال التاريخ العربي لا يعرف الثورات الاجتماعية، وأسباب التخلف ليست طارئة في حياة العرب، فمقاييس الرقي الحضاري هي قيمة الإنسان وكرامته وحقوقه، وهذا لم يسبق أن تحقق في تاريخ الشعب العربي . ويرى نفسه أن الغرب أحق بهذه الأرض من أهلها النائمين وبنفطها . وإذا كان النفط هو هبة الطبيعة لبعض البلاد العربية، فإن هذا النفط ليس ملكاً لأهله الطبيعيين وحدهم، بل هو ملك لشعوب الكرة الأرضية كافة، وبالأخص الغرب من الأقوياء والمزودين بتقنيات الاستخراج والتصنيع، والاستفادة الحقيقية والعملية منه، كما قال كيسنجر مقولته إن العرب لا يمتلكون النفط . . . بل يعومون عليه .
مؤلف الكتاب يحلل بنية التخلف في الكثير من الأوطان العربية ويكشف دهاليز العقد الماضي، وقد افتقد الوقفة الصادقة مع الذات والقيمة الحقيقية في منظومات القيم وواقع الحياة .
* كاتب من الإمارات