تغطية قانونية لعتاة الإجرام

05:06 صباحا
قراءة 3 دقائق

بعد أن تمت المصادقة على تقرير غولدستون في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، توعدت تل أبيب بأن تشن حملة دولية لإطفاء مضمون التقرير الذي أدانها بارتكاب جرائم حرب. وبينما سبق للدولة الصهيونية أن قامت بمحاكمات لجنودها عن ارتكابات اقترفوها وأصدرت أحكاماً متساهلة وأحياناً لمصلحة المتهمين كما في واقعة شهيرة قديمة بتغريم جندي شيكل واحداً عن جريمة قتل، فإنها هذه المرة امتنعت عن إجراء محاكمات بخصوص الحرب على غزة في صيف ،2007 رغم أن منظمات إسرائيلية مثل منظمة بتسليم سبقت صدور التقرير الدولي في إدانتها لجرائم الحرب المرتكبة ضد المدنيين.

رفض إجراء تحقيقات هذه المرة، أتى في سياق الرفض الشامل للتقرير الذي تم وضعه بتكليف من الأمم المتحدة، وحيث دعا التقرير لإجراء تحقيقات محلية في غضون ستة أشهر قبل إحالته الى مجلس الأمن للنظر فيه.

على أن الحملة المحمومة على التقرير لم تتوقف عند ما سبق. ففي جلسة ضيقة لمجلس الوزراء (الحكومة الأمنية) في تل أبيب الأربعاء الماضي 21 اكتوبر/ تشرين الأول الجاري، تفتقت أذهان دهاقنة صهاينة عن طلب مبتكر صرح به نتنياهو رئيس حكومتهم، وذلك بالدعوة لتغيير القانون الدولي المتعلق بالحروب. ومفاد هذه الدعوة أن على العالم كله أن يتكيف مع إسرائيل، لا أن تتكيف إسرائيل مع العالم. وأبعد من ذلك أنه يتعين وفقاً لهذه الدعوة اجتراح قواعد قانونية، تسوغ وتغطي حروب الكيان وذلك في إبداعاتها الجديدة بتوسيع دائرة استهداف المدنيين كما وقع ضد لبنان وقطاع غزة.

كان شارون الذي أطلق حرباً محمومة متواصلة ضد الضفة وغزة في ما عرف بالاجتياحات الكبيرة وحصار الراحل ياسر عرفات، قد مهد للدعوة الأخيرة حين اعتبر أن الحرب على الإرهاب تشمل المدنيين حكماً. تلميذه نتنياهو يجاريه الآن ويدعو لقواعد جديدة للحروب، بدلاً من احترام القواعد والأحكام الدولية القائمة والاحتكام إليها، لإحلال السلم وتفادي الحروب.

يبرر نتنياهو دعوته هذه بانتشار الإرهاب العالمي. وفي ذلك مغالطة كبرى، فالإرهاب في أبسط تعريفاته وأكثرها قبولاً، هو استهداف المدنيين لتحقيق غايات سياسية أو عسكرية للمعتدي، فيما الرجل يبحث عن ذرائع وتغطية قانونية، لمزيد من الاستهداف الجماعي لمزيد من المدنيين، الرازحين أصلاً تحت احتلال دولته.. والاحتلال لا يعدو أن يكون بلغة هذه الأيام إرهاباً رسمياً متواصلاً.

غير أن المرء ينبغي ألا يقلل من الخبرات التي يتمتع بها النفوذ الصهيوني في مخاطبة الرأي العام. وفي حين تسعى تل أبيب لخوض حملة ضد الأمم المتحدة عملياً صاحبة تقرير غولدستون والمبادرة اليه، فإن الأطراف العربية تكتفي بما تحقق، ولا ترى في صدور التقرير وإقراره عند مستوى معين، فرصة لتشديد الحملة على تل أبيب، والضغط عليها للكف عن جرائمها، والانصياع لإرادة السلام وفق الشرعية وأحكام القانون الدولي ومرجعية مدريد. والأمر يستحق على الأقل العودة إلى قرارات الجامعة العربية وبياناتها، التي ما زالت طرية في الأذهان، بشأن محاكمة مجرمي الحرب.. وتقرير غولدستون يوفر الفرصة أو يشق الطريق نحو بلوغ هذا الهدف المشروع.

والآن فإنه معلوم أن حروب إسرائيل لم تتقيد أبداً بأية قواعد للحروب وهو أمر يسم نشأة هذه الدولة التي جردت حرباً على المدنيين، لاقتلاعهم من أرضهم في فلسطين. غير أن مجرمي الحرب في هذه الدولة لم يعودوا يكتفون بالتقاعس وأحياناً التواطؤ الدولي عن محاكمتهم، إذ باتوا يسعون لنيل مكافآت عن جرائمهم، عبر استدراج العالم لخوض حروبهم القذرة معهم وإلى جانبهم، وذلك بتوفير غطاء من قانون دولي يراد تعديل أحكامه، لتلبية الاحتياجات الإسرائيلية في حروب تطهير عرقي واستئصال بشري.

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"