واقع القدس الذاهب الى التهويد القسري وتهجير ما بقي من أبنائها، ورمزية المدينة كحاضنة للمقدسات الاسلامية والمسيحية، لا تشفع لها كي يتم تحركٌ جدي، يولي هذه القضية اهتماماً خاصاً يتلاءم مع التهديدات المتسارعة .
لا تُخفي حكومة الاحتلال نواياها باستمرار الاستيطان في المدينة وإسباغ الطابع اليهودي عليها، وآخر مظاهرها الشروع في بناء كنيس الخراب على بعد أمتار من المسجد الأقصى، وبمحاذاة الجامع العمري . في الأسبوع الماضي تم توزيع منشورات تدعو المقادسة الى ترك مدينتهم تنفيذاً لتعاليم الدين، فيما كُشِف أن الشروع في بناء كنيس الخراب على الشاكلة الهندسية لقبة الصخرة، يؤذن بالبدء ببناء الهيكل على انقاض المسجد الأقصى .
استهداف ثالث الحرمين الشريفين لم يعد مجرد تخوف ولا خطة بعيدة الأمد . في تصريح منسوب للشيخ يوسف القرضاوي أن استهداف الأقصى بات وشيكاً . فإذا تحقق ذلك، فسوف يشكل واحدة من أكبر عمليات ازدراء لمعتقدات المسلمين ولأحد أكثر أماكن عبادتهم قدسية، ولإضفاء طابع ديني صارخ على الصراع السياسي . هذه المخاطر لا تستوقف الرئيس اوباما حتى الآن، بعد نحو سنة من تقديمه خطاباً متقدماً حول الانفتاح والاحترام المتبادل . وعلى الأغلب أنه في خطاب سوف يلقيه في أندونيسيا بعد أيام، لن يتوقف عند عملية تغيير طابع المدينة المقدسة بسطوة الاحتلال وعربدته .
وعلاوة على ما ستلحقه هذه التطورات من ايذاء بليغ وغير مسبوق بالفعل، لحقوق المسلمين ومشاعرهم، من دون أن يكون المسيحيون بمنأى عن هذا الإيذاء، فإن ما يجري وما هو على وشك الحدوث، سوف يثير موجة غضب قد تصعب السيطرة عليها، وخاصة في ضوء التقاعس المديد عن الوقوف في وجه هذه المخاطر .
وبعيداً عن الجدل الذي جعلته واشنطن عقيماً حول الاستيطان والتفاوض غير المباشر، فإن خصوصية الوضع في القدس مرشحة لأن تطغى بعد شهور على الاهتمامات السياسية .
وحين يجري الحديث عن تفاقم للوضع يقود نحو انتفاضة ثالثة، فإن ما يتعرض له بيت المقدس، يدفع بحد ذاته نحو انفجار الوضع ناهيك عن الظروف القائمة في بقية الأراضي المحتلة . ونستذكر هنا أن الانتفاضة السابقة اندلعت مع استباحة شارون لباحة المسجد الأقصى . وقد بدأت الأحياء والشوارع المؤدية للأقصى تشهد مواجهات أسبوعية ساخنة، رغم ما تعمد اليه سلطات الاحتلال من قمع وحشي للمحتجين، ومنع من تقل أعمارهم عن الخمسين عاماً من حق أداء واجباتهم الدينية في اماكن عبادتهم .
انتفاضة أخرى تنضج ظروفها أكثر وأكثر وعلى نار القمع والتوسع الصهيوني، لن تكون بغير ارتدادات في العالم العربي والاسلامي . سوف يصعب وصم مظاهر احتجاجات شديدة، بأنها من ضروب التطرف . فليس هناك ما هو أشد تطرفاً من ترك المدينة المقدسة تواجه مصيرها، وهي عاصمة روحية لملايين المسلمين عرباً وغير عرب، فضلاً عن مكانتها لدى المسيحيين . وإذا كان هناك في بقية دول العالم من لا يدرك رمزية القدس، فإن العالم العربي يدرك جيداً جداً هذه المكانة . . وبالطبع من دون أن يقود هذا الادراك لإنقاذ المدينة المقدسة، وهو ما سيولد لدى الرأي العام العربي شعوراً مريراً بالمهانة والغضب .
مغزى ذلك أن بلوغ تهويد القدس ذروة جديدة، سوف يهدد بزعزعة العالم العربي . ولا حاجة للإشارة هنا الى نفوذ الحركات والجماعات الدينية على الشارع العربي وما سوف ترتديه دعواها من صدقية في حال استهداف الأقصى، ذلك أن الجمهور العربي بما في ذلك التيارات غير المتدينة، يؤمن بالعمق الروحي والتاريخي للمدينة المقدسة، وبتلاقي البعدين السياسي والروحي في المدينة المحتلة، بما يجعل من استهدافها تحدياً صارخاً لمشاعر الجميع، وللحقوق الوطنية والتاريخية .
فإذا أضيفت الى ذلك وعلى مستوى الإقليم، التوترات التي لا تهدأ بين طهران وتل أبيب، والتحريض الاسرائيلي الدائم ضد ايران، فإن الملف النووي الايراني لن يبقى العامل الوحيد في إلهاب الوضع . .ستكون هناك القدس التي تزمع حكومة نتنياهو على وضع لمسات أخيرة على مسيرة تهويدها، من قبيل الذهاب بعيداً في الصفاقة بالنيل من الأماكن الإسلامية المقدسة . لا يعني ذلك بالضرورة أن مواجهة ايرانية اسرائيلية وخاصة بالنظر الى عدم التجاور الجغرافي، على أن الجمهورية الاسلامية سوف تجد في مثل هذا التطور، دافعاً للتعبئة والتجييش سيبلغ صداها سريعاً أرجاء مختلفة من العالم العربي، ويقود الى تفاعلات سياسية لن يكون من اليسير ضبطها والتحكم فيها .
لنلاحظ أن حكومة نتنياهو باتت في الأشهر الأخيرة، على صلة ضعيفة بالعالم العربي وبالعاصمتين اللتين تقيمان علاقات دبلوماسية مع تل ابيب . ذلك يكشف أن تل ابيب تدير ظهرها في هذه الآونة، لسائر الاعتبارات السياسية والدبلوماسية التقليدية التي تحكم عادةً العلاقات الخارجية للدول، وسائر المؤشرات بما فيها التأزيم الآني مع واشنطن، تنبئ بأن تل أبيب عاقدة العزم على منح أطماعها التوسعية زخماً أيديولوجياً، والزعم خلال ذلك أن تهويد القدس مسألة تتعدى الاعتبارات السياسية، ولا علاقة بالتالي لما يجري فيها بأية اعتبارات من هذا النوع . . فاليهود يؤدون واجباتهم ويعملون بما تأمرهم به كتبهم المقدسة وهذا هو فحوى مطبوعات تم توزيعها في المدينة المقدسة خلال الأسبوع الماضي .
وسواء اتخذ الصراع وجهة جديدة بإكسابه طابعاً وحتى مضموناً دينياً، أو تم اعتبار ما يجري تسخيراً للدين لبلوغ أطماع سياسية، ففي الحالين فإن ما يجري يؤذن بدفع الصراع نحو ذرى على جانب من التعقيد والخطورة .