جسور سورية - فرنسية

01:13 صباحا
قراءة 4 دقائق

زيارة الرئيس بشار الأسد إلى باريس الجمعة الماضية كانت متوقعة، وعدم القيام بها كان يمثل مفاجأة. فبعد زيارات متتالية لمسؤولين فرنسيين للعاصمة السورية على مدار العامين الماضيين، وبعد خروج بيروت من نفق تشكيل أول حكومة بعد الانتخابات النيابية، وبعد عقد قمة لبنانية - سورية في دمشق هي الثانية منذ انتخاب ميشال سليمان رئيساً، فقد بات الطريق ممهداً أمام لقاءات قمة بين الجانبين الفرنسي والسوري.

ومع تذليل العقبات في العلاقات الثنائية، فإن باريس تسعى لمقاربة جديدة أوسع ترمي لتنشيط العملية السلمية التي وقعت في غيبوبة سبقت غيبة رئيس الوزراء الاسرائيلي الأسبق إرييل شارون. هذه المقاربة تستند إلى وصول أوباما إلى سدة البيت الابيض، والى اصطدام المفاوضات على المسار الفلسطيني بعقبة الاستيطان. ولم تكن مصادفة أن يتم حديث فرنسي عشية وصول الأسد عن افكار جديدة لتحريك قطار السلام المتوقف. فرنسا ساركوزي تبغي من وراء ذلك بالإضافة إلى إحياء مناخ سلمي في المنطقة ، إلى ما تعتبره تغيير الظروف التي أدت إلى توثيق العلاقات بين دمشق وطهران. وقد لوحظ أن الرئيس الأسد أطلق عشية توجهه تصريحات حازمة مفادها السعي ل بناء شرق أوسط جديد يستند إلى المقاومة وإن كان تحدث بنبرة أخرى لدى استقبال ساركوزي له، عن افتقاد شريك إسرائيلي وعن حقوق ثابتة لا شروط مسبقة.

من الواضح أنه ليس لدى فرنسا الكثير مما تفعله على هذا الصعيد، فما لم تنجح به واشنطن حتى الآن على المسار الفلسطيني، لن تستطيع باريس اجتراحه على المسار السوري.فرئيس الحكومة الاسرائيلية يتمسك بالنهج التقليدي لحكومات اقصى اليمين في كسب الوقت وإحلال وقائع جديدة على الأرض المحتلة مع البحث الدائم عن ذرائع لتعطيل المسار التفاوضي. فإذا لم تتوافر هذه الذرائع يجري اختلاقها. هناك الآن ما يعتبرونه ذريعة وهو رفض الرعاية التركية للمفاوضات غير المباشرة بين الطرفين، استناداً إلى المواقف الحازمة التي اتخذتها أنقرة ضد الحرب على غزة وما تلاها من توتر العلاقات. ساركوزي أعرب بمناسبة استقباله للرئيس السوري عن دعمه للجهود التركية، والأسد دعا تل أبيب للاتصال بأنقرة إذا كان في نية الأولى استئناف التفاوض. وبالنظر إلى الخبرة المتراكمة في المناورات الإسرائيلية، فإنه لا يعود مستغرباً أن تطرح تل أبيب فكرة رعاية فرنسية مؤقتة لمفاوضات غير مباشرة مع دمشق، وبزعم أن المهم هو استئناف التفاوض وليس أي شيء آخر. ومعلوم أن ثمة حساسيات فرنسية تركية، على خلفية الممانعة الفرنسية لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. يسمح السجال المفترض حول هذه المسألة بكسب المزيد من الوقت، ومحاولة إحراج أنقرة.

على صعيد متصل تتسرب أنباء أخرى من مصادر فلسطينية، عن أفكار فرنسية بخصوص عقد مؤتمر دولي على الأرجح في موسكو. ولئن كانت الفكرة جديدة فمضمونها قديم ومجرب. ذلك أن تل أبيب تسمح بالاهتمام الدولي شريطة أن يتوافق مع أجندتها، فإذا لم يتم هذا التوافق، فإنها تعمد إلى ترديد أسطوانة أن الاطراف المعنية ذات العلاقة المباشرة، هي وحدها المؤهلة لخوض التفاوض من دون تدخل من أحد، بما في ذلك الولايات المتحدة. وواقع الحال أن الفكرة تفتقد لأية جاذبية، ويتعذر عقد أي رهان واقعي عليها. والبديل الصالح عنها هو ان تحزم واشنطن أمرها في حمل حليفتها تل أبيب على التقيد بمقتضيات العملية السلمية ووضع خطة عمل لذلك وهو ما أشار اليه الرئيس الأسد أمام نظيره الفرنسي.

وخلافاً لرؤية غالبية المجتمع الدولي التي ترى أن إنجاز التسوية في الشرق الأوسط، هو الذي يضع حداً لكل أشكال التطرف والاستقطابات الاقليمية، فإن تل أبيب ترى أن شن الحروب هو الذي يحقق هذا الهدف، وهو ما يفسر الحربين على لبنان وغزة واستمرار التهديدات ضدهما. ومعلوم أن تل أبيب ترفض المفاوضات الأوروبية الإيرانية حول الملف النووي الإيراني ولا ترى من سبيل سوى خوض حرب ضد طهران، على شاكلة الحرب ضد أفغانستان والعراق وهو ما تحرزت منه إدارة بوش رغم جموحها وتهورها، ومع ذلك فإن تل أبيب تواصل مساعيها الحميدة في هذا الاتجاه مع إدارة أوباما.

وفي الوقت الذي يتمتع فيه الرئيس ساركوزي بشعبية أكبر لدى الاسرائيليين من الرئيس أوباما، فمن الواضح أن ذلك لا يكفي كي ينجز الرئيس الفرنسي شيئاً ذا بال. ففي حين يتم تحدي ساكن البيت الأبيض على لسان نتنياهو بالقول إن البيت الأبيض ليس كل أمريكا وإن أمريكا أكبر من ذلك المقر، فإنه ليس من المتوقع أن تتم مجاملة ساركوزي على حساب عقيدة التوسع الصهيونية وفي وقت بات فيه أقصى اليمين الصهيوني يتمتع بشعبية متزايدة لا محل فيها لمنافسته من أية قوة سياسية أخرى.

أما دمشق فتكرس في الاثناء عبر زيارة رئيسها الانفتاح المتبادل بينها وبين الاتحاد الاوروبي، ومواصلة التفاوض معه بخصوص الشراكة الأوروبية المتوسطية في ظروف أفضل، بما يحمله ذلك من مؤشرات للولايات المتحدة وللعديد من القوى الإقليمية. فيما يتمتع كل طرف بمقاربته الخاصة لشرق أوسط جديد.

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"