تجاوز التصعيد الإرهابي في مصر الأهداف المعتادة، من جيش وشرطة ومرافق مدنية، وانتقل باغتيال النائب العام المستشار هشام بركات إلى مرحلة استهداف المسؤولين عبر العبوات شديدة الانفجار بهدف زعزعة ثقة مصر في حملتها على التطرف ودورها في الجهد العربي والدولي لمكافحة التطرف.
لا ينفصل التفجير الإجرامي الذي اغتيال المستشار بركات عن غيره من الأعمال الإرهابية العاصفة بالمنطقة، فضرب مسؤول كبير في القاهرة ينسجم مع قتل عشرات المصلين في الكويت ومثلهم من السياح في تونس، إضافة إلى حوداث الإرهاب اليومية الجارية في العراق وسوريا. ويبدو أن هناك حملة إرهابية منسقة تضرب المنطقة على مراحل، وقد بدأت مع مطلع شهر رمضان في انتقاء أهداف لها وقع إعلامي وسياسي، تسعى الحركات المتشددة إلى توظيف هذه الأعمال في استقطاب الأنصار وإرهاب المجتمعات الرافضة للتوجهات الإرهابية. ولا يبدو أيضا أن جماعة الإخوان المحظورة في مصر ليست بعيدة عن اغتيال النائب العام، فهذا الحادث الأليم جاء عشية الذكرى الثانية لثورة «30 يونيو» التي أطاحت بنظامها ممثلاً في الرئيس المعزول محمد مرسي، المحكوم عليه بالإعدام وعشرات من رفاقه على خلفية قضايا عدة.
ومنذ بدأت المواجهة بين السلطات المصرية وتنظيم الإخوان قبل عامين، شرع التحريض على المستشار بركات وقطاع القضاة عموماً ما أدى مؤخراً إلى اغتيال عدد من القضاة وضباط التحقيق في ملفات إرهابية تورط في كثير منها نشطاء من الإخوان. ولن يعفي نفي الجماعة مسؤوليها عن الجريمة، فمن السهل على جماعات التطرف أن ترتكب إحداها جريمة وتأتي أخرى لتتبنى، وجماعة «المقاومة الشعبية»، التي سرعان ما تبنت العملية الغادرة، ليست معروفة ويبدو من تسميتها أنها جماعة أنشئت على عجل للتمويه عن المنفذ الفعلي، ولن تعدم الأجهزة الأمنية الوسائل لكشف هذه الجريمة ومدبريها.
عملية البحث عن الجاني تعود إلى القضاء المصري، أما البحث في آثار الجريمة ورسائلها فمنوط بمصر ودول المنطقة والعالم، فهذه العملية لا يجب أن تخرج من السياق الإرهابي الإقليمي، وأي تقصير في تحليل أبعادها قد يفضي إلى ما هو أخطر، ألا وهو اتساع نطاق العمليات الإرهابية بضرب أهداف أكثر حساسية. وستفرض هذه المخاوف على دول المنطقة المستهدفة إعادة قراءة الواقع قراءة صحيحة تختلف عن أشهر خلت. فهناك تغيرات خطيرة تحصل وتستوجب من الدول العربية كافة أن تكون في مستوى المخاطر. وقد أكدت العمليات الإرهابية الأخيرة أنه لا أحد بمأمن. ولكن إذا بنيت استراتيجيات جديدة بنوايا صادقة وإرادة تتعالى على الطائفية والأحقاد السوداء، فمن السهل هزيمة الجماعات الإرهابية من الإخوان إلى «داعش». وسرعان ما يحصل اكتشاف أن قوة تلك الجماعات إنما استمدتها من تشتت السياسات الأمنية العربية وارتهانها لحسابات غير دقيقة بالمرة، فضلاً عن سياسات قوى إقليمية ودولية ثبت دعمها للإرهاب، بعدما وفرت حواضن فكرية ومالية وتسليحية لآلاف من الشذاذ بحجة أنهم «ثوار» و«باحثون عن العدالة».
بعد اغتيال رمز القضاء المصري واستهداف مسجد بالكويت وقبلهما مسجدان في السعودية، إضافة إلى الهجوم الإرهابي على السياح في تونس، لم يعد هناك مجال للمناورة، وإنما رؤية إقليمية بناءة بقيادة عربية تحارب الإرهاب وتقضي على جماعاته بفلسفة جديدة وعقلية مغايرة.
مفتاح شعيب