حوار دائم لتجاوز الأزمة

04:44 صباحا
قراءة 4 دقائق

ما بدا أنه أزمة سياسية شديدة شهدها لبنان خلال الشهرين الماضيين، لم يلبث أن انتهى الأربعاء الماضي 18 أغسطس/ آب الجاري، إلى التئام طاولة الحوار الوطني، في جولة جديدة تعد التاسعة عشرة وذلك برئاسة رئيس الجمهورية الذي أثنى على استعداد حزب الله لوضع قدرات المقاومة تحت تصرف الجيش اللبناني، وهو ما اعتبره الرئيس ميشال سليمان أساساً للاستراتيجية الدفاعية التي تستأثر باهتمام طاولة الحوار منذ سنوات من دون التوصل بعد إلى وضع تصورات ومرتكزات لها .

وبالتزامن مع استئناف الحوار الوطني وبفارق يوم واحد، عقد مجلس الوزراء اللبناني الثلاثاء اجتماعاً هادئاً ومنضبطاً كما وصفته صحف لبنانية رئيسة، ومن بين أهم قراراته تكليف وزير العدل، وضع ملف حول شهود الزور في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وهو الملف الذي ترى فيه قوى 8 آذار، دليلاً على انحراف التحقيق الدولي عن غاياته القضائية ومساره القانوني، فيما ترى أطراف 14 آذار أن هذا الملف هو في صلب عمل لجنة التحقيق، وأن القرار الظني المنتظر مرشح للإجابة عن التساؤلات المثارة .

إن هذين التطورين يدللان على أن صوت الحكمة ومنطق التهدئة قد غلبا على ما عداهما، وذلك مع إدراك الجميع رغم تفاوت الرؤى وتضاربها، أن أية فتنة داخلية سوف تحقق مصالح العدو الإسرائيلي المتربص الذي شن خلال الأعوام الثلاثة الماضية، أعنف حرب جاسوسية على هذا البلد، وما زال يحشد قواه على الحدود ويعلن عن مناورات عسكرية يجري تنظيمها في بيئة مماثلة للبيئة اللبنانية وبالذات في مناطق الجنوب .

في الداخل اللبناني ينظر إلى رئاسة الجمهورية، باعتبارها مرجعية سياسية تلتقي عندها مختلف الحساسيات السياسية، وذلك لأمور تتعلق بشخص الرئيس غير المسيّس، والقادم من المؤسسة العسكرية الوطنية، وبظروف انتخابه بعد التوقيع على اتفاق الدوحة، وقد تم اختياره في مجلس النواب قبل نحو عامين توافقياً بين سائر القوى . وقد أمكن عقب انتخابه تشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة سعد الحريري، الذي يمثل أكبر كتلة نيابية حسب ما يقضي الدستور . وقد تبع ذلك تحسّن علاقات الحكومة بدمشق التي زارها الحريري غير مرة، وتوّجت هذه التطورات الإيجابية بالزيارة المشتركة التي قام بها الرئيس السوري والعاهل السعودي إلى بيروت في يوليو/ تموز الماضي، بما زكّى معادلة سين سين التي طالما راهن عليها، بل بشر بها رئيس المجلس النيابي نبيه بري، بوصفها ضمانةً لاستقرار لبنان ووحدة اللبنانيين والاستقواء بالعمق العربي للبنان .

ومع كل ما تقدم فإن المحاذير ما زالت تكتنف الحياة السياسية، وذلك في ضوء الانقسام الحاد حول الموقف من المحكمة الدولية الخاصة بلبنان والقرار الظني المرجّح صدوره خلال الشهور الثلاثة المقبلة . يفترض بمجلس الوزراء أن يضع مقاربة متفقاً عليها بين سائر الأطراف، غير أن الوصول إلى هذا الهدف في ظل الظروف القائمة يبدو متعذراً، فلئن كانت القوى السياسية المختلفة ممثلة في الحكومة، إلا أن زعاماتها تكمن خارج الحكومة . والأمر هنا ومع احترام كل الفروق، أشبه بالمجلس الوزاري العربي الممثل في الجامعة العربية، والذي لا يمكنه البتّ في جميع المسائل، فهناك ما هو من اختصاص القادة . كذلك الأمر في البلد الصغير لبنان، فثمة قضايا يتطلب بحثها أن تحال إلى القيادات السياسية والروحية .

من هنا يثور التساؤل: لماذا لا يصار إلى منح اجتماعات لجنة الحوار الوطني صفة الديمومة في هذه الظروف، بحيث تبقى في حالة انعقاد دائم أو شبه دائم، لتفادي أن تخرج الخلافات عن سكتها إلى الشارع، وللعمل على تبريد هذه الخلافات وتطويقها، والمباشرة في وضع مشتركات يلتقي عليها الجميع ثم يتم بعدئذ توسيع هذه المشتركات شيئاً فشيئاً، حتى الوصول إلى بلورة رؤى مشتركة إن لم تضع حلولاً شافية وافية، فعلى الأقل تضمن منع الفتنة وهي الكلمة الأكثر تداولاً هذه الأيام بين السياسيين والمعلقين على مختلف اتجاهاتهم، وذلك إعمالاً للقاعدة الفقهية القائلة إن درء المفاسد يتقدم على جلب المنافع؟

من دواعي الأسف أن المجلس النيابي المنتخب لا يمكنه القيام بهذه المهمة رغم أنها من صميم مسؤولياته، ففي الأعوام القليلة الماضية امتد الانقسام إلى المجلس وأصيب بالشلل، حتى إنه أقفل أبوابه لفترة استغرقت نحو ستة أشهر، في ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ الهيئة الاشتراعية، بما يجعل خيار تفعيل طاولة الحوار هو الخيار الأفضل والأنجع، وإن لم يكن الخيار الوحيد المتاح في بلد يزخر بالطاقات وبالحيوية الفكرية .

في ظروف سابقة مثل ظروف الحرب الداخلية الطويلة بين عامي 1975 و1990 كانت القمم الروحية تشكل صمام أمان، للحد من غلواء النزاعات، ومخاطبة اتباع الطوائف جميعاً بخطاب يغلب التلاقي وينبذ العنف السياسي . لعل الظروف الراهنة رغم الانضباط القائم، تتطلب مثل هذا التحرك من القيادات الدينية وذلك مع إدراك أن ثمة اختلاطاً في هذا البلد بين ما هو سياسي وديني، إلا أن الخطاب الديني القائم على الاعتراف بالتعددية والثقافية والاجتماعية والبحث عن المشتركات، من شأنه أن يبث رسائل مؤثرة تخاطب الجانب الروحي النبيل في الجمهور، بما يسهم في التهدئة وتبصر الأمور بروح وفاقية .

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"