هناك دائما حلقة مفقودة في حل الأزمات في السودان، إذ حين تجري معالجة معضلات كبيرة مثل التمرد في الجنوب، ثم إقرار التعددية والمنافسة الانتخابية، ثم التمرد في دارفور فإن مشكلات تبرز وتمنع تقدم الحلول الى نهاياتها .
الأزمة المثارة هذه الأيام عشية الانتخابات الشاملة المقررة 11 إبريل/ نيسان الحالي، هي احد الشواهد البارزة على ما تقدم . الخرطوم تتمسك بموعد الانتخابات ولا تجد ما يبرر النظر في تأجيلها، وأغلبية المعارضة حتى كتابة هذه السطور تطلب إرجاءها لسبعة أشهر على الأقل .
تسوق المعارضة وبالذات حزب (المهدي) الأمة والاتحاد الديمقراطي (الميرغني) تحفظات منها أن عشرات الآلاف من الناخبين لم يتم تسجيل أسمائهم، وأن قادمين من تشاد والنيجر تم إدراجهم في السجلات، الى قيود على الحملة الانتخابية وخاصة التجمعات، واستخدام مرافق حكومية (مطابع) لطباعة بيانات انتخابية .
بين المعارضة تتميز الحركة الشعبية الحاكمة في الجنوب والشريكة بالحكم في الشمال، في مقاطعتها للانتخابات في إقليم دارفور والانتخابات الرئاسية (انسحب مرشحها ياسر عرمان)، بينما تبدي الاستعداد للمشاركة في الانتخابات البرلمانية والمحلية .
السلطات لا تبذل جهداً في الرد على التحفظات، باستثناء التلويح بالتصعيد من قبيل عدم الالتزام بالاستفتاء على تقرير المصير في الجنوب في العام المقبل، والتهديد بطرد المراقبين الأجانب (معظمهم يتبعون الاتحاد الإفريقي)، والمعارضة لا تعرض حلولاً وسطية تتعدى تعطيل الاستحقاق وتتضمن تنشيط قنوات حوار وطني .
يضطر المتابع في هذه الحالة، الى الإصغاء لبعض ملاحظات يبديها ممثلو هيئات أجنبية ودولية .
جبريل باسولي الوسيط في المفاوضات الجارية بين الحكومة وحركات المعارضة دعا الى تعديل في الجدول الزمني يضمن التوصل الى اتفاق سلام شامل . ولم يستبعد أن تنجح هذه المهمة في الجولة الأخيرة التي تبدأ يوم 6 إبريل/ نيسان شريطة بذل جهود مضاعفة من الطرفين لتتويج الاتفاقيات السابقة الموقعة في الدوحة .
وهكذا بخلاف التهويل الذي أطلقه القيادي في الحركة الشعبية فإن الوضع في دارفور بات افضل من قبل، وقد يتطلب تعديلات طفيفة على البرنامج الزمني للانتخابات .
إبراهيم جمبري رئيس بعثة الأمم المتحدة نفى ان تكون هناك مخاوف امنية في دارفور في أثناء الانتخابات، حتى انه توقع اجراء انتخابات سلسة .
بينما أبدى مركز كارتر تخوفه من اثر القيود الصارمة على عقد التجمعات على الأجواء الانتخابية .
مجموعة الأزمات الدولية وهي منظمة دولية مستقلة معنية بالنظر في النزاعات، رأت في تقرير نشر قبل أيام أن الحكم يسعى للتحكم في سير الانتخابات لصالحه، وذهبت المجموعة الى حد اتهام السلطات بالتزوير .
من الواضح أن هذه الشواهد تقدم صورة عن الالتباس الذي يكتنف الوضع، مع جنوح الى التأزيم والتصعيد تتشارك فيه معظم الفئات السياسية . فإذ تمثل الانتخابات فرصة لارساء التعددية وتكريس السلام في دارفور، فإن احتدام المنافسات الفئوية والتحديات الحزبية المتبادلة لا يشيع أملاً في التقدم الى الأمام . فالسلطات تريد اجراء الانتخابات في أقرب الآجال، اليوم قبل الغد، والمعارضة تتصرف كما لو أنها تتمنى أن يتم إرجاء هذه المناسبة الى أبعد الآجال، أملاً في استمرار التأزيم والضغط على السلطات .
وفيما ترى السلطات أن كل المشكلات قد تم حلها في اقليم دارفور، ولم يبق سوى تمتع حزب المؤتمر الوطني الحاكم بثقة الناخبين هناك، فإن المعارضة إما أنها لا ترى أن شيئاً قد تحقق في اتفاق الحكومة مع حركتي التمرد الرئيسيتين، كحال الحركة الشعبية الجنوبية، أو أنها لا تبالي بما يجري في ذلك الإقليم قياساً لطموحاتها في الوصول الى السلطة وذلك كما يتبدى في مواقف حزبي الأمة والاتحاد الديمقراطي .
حصيلة مواقف الهيئات المراقبة أن تعديلات ينبغي إدخالها على الجدول الزمني للانتخابات كما على روزنامة التوصل الى اتفاق سلام نهائي مع رفع القيود عن الانشطة الانتخابية، وهي مواقف وسط بين الحكومة والمعارضة وكلتاهما تخوضان حرب إثبات وجود وإقصاء للطرف الآخر .
وبما أن أهل المسؤولية بصفتهم هذه يتحملون المسؤولية أكثر من غيرهم وقبل سواهم، فإن ما يسود هذه المناسبة من ارتجال وحرص على الشكليات من دون الأمور الجوهرية، هو ما يجعل هذا الاستحقاق المقرر الأحد المقبل، محفوفاً بالشكوك . وبما قد يبدد فرصة لم يلح مثلها منذ نحو ربع قرن، كما يعرض مجمل التجربة السياسية للخطر بعد ارساء تعددية واقعية ما زالت تنقصها فرص التمثيل السياسي في السلطتين التشريعية والتنفيذية .
قبل أسابيع جرت انتخابات لا تقل مصيرية في بلد عربي آخر هو العراق . ورغم ما يشكو منه هذا البلد من أهوال أمنية ومن احتقانات اجتماعية وسياسية ومن تعثر في إعادة بناء الدولة، إلا أن الاستحقاق الانتخابي مر بسلام وبنجاح ايضاً، وذلك بعد أن أدركت سائر القوى والأطراف أن لا بديل عن صناديق الاقتراع سوى الهاوية، وأن الخيار الديمقراطي ليس مجرد خيار بين خيارات أخرى، بل هو بوابة العبور الإلزامية الى المستقبل .
بينما في البلد العربي العزيز السودان الذي يعاني من مشكلات أقل حدة والذي عبر تحديات جسيمة من قبل، فإن هناك حتى تاريخه تطيراً من احراز النجاح، وتسابقاً محموما نحو الفشل والإفشال .