زمن التوحش وللخطيئة أزمنة

01:44 صباحا
قراءة 5 دقائق

الخلاف بين الأخلاق السياسية والاتفاق بين السياسية في الفلسفة المادية النقدية، والعلاقة بين الكنيسة الكاثوليكية والإيمان الكلي المرتبط بمؤسسة دينية معينة، بما فيها النصوص المقدسة التي تحتوي على عقائد نظرية تتجاوز التصورات العقلية، وتتعارض مع العقل العملي، ومذهب الحرية الذي يقضي به العقل والمسؤولية التي تقتضيها العقائد، كانت محاور ندوة نظمت في لندن بعنوان الإنسان بوصفه الذات المفردة، وذلك خلال الزيارة التاريخية للبابا بنديكت السادس عشر إلى بريطانيا في سبتمبر/ أيلول ،2010 والتي استهلها بدعوتها إلى حماية جذورها المسيحية، وتقاليد التسامح في مجابهة تهديدات غلاة العلمانية وتطرف الإلحاد، وتعد هذه الزيارة الأولى التي يقوم بها رأس الكنيسة الكاثوليكية بعد مرور خمسة قرون على الانفصال بين الكنيستين الإنجليكانية والكاثوليكية في عام 1534 .

وتناولت الندوة أحوال الإنسان الوجودية الكبرى مثل الخطيئة والمقومات الجوهرية لكيانه، وارتباطها بالعدل المطلق في السياسة والتحرر العقلي الخالص وقضايا الميتافيزيقيا والأنطولوجيا في نظر الشعب البريطاني على خلفية الصراع الديني الذي واجهته الملكة إليزابيث الأولى بين الديانة البروتستانتية والكاثوليكية، ففي عام 1558 توفيت ماري الأولى ملكة إنجلترا، زوجة فيليب الثاني ملك إسبانيا وابنة الملك هنري الثامن من زوجته كاثرين أراغون الكاثوليكية . وقد تزوج فيليب الثاني من ماري الأولى بعد عام من توليها عرش إنجلترا، ورفض البرلمان تنصيبه على العرش مع ماري لكونه كاثوليكياً . وعقب وفاة ماري الأولى حاول من دون جدوى إقناع أختها إليزابيث الأولى (1533-1603) وريثة العرش الملكي بالزواج منه لكنها رفضت . عند ذلك دخلت الملكة إليزابيث الأولى في صراع ديني لتحديد ديانة مملكتها ما بين البروتستانتية أو الكاثوليكية على المستويين الداخلي والخارجي، وتمكنت من إرساء أسس الاستقرار الديني وأصدرت قانوناً بإعادة كنيسة إنجلترا التي أسسها والدها هنري الثامن والمستقلة عن الكنيسة الكاثوليكية، وجعلت من المذهب البروتستانتي المذهب المعتمد، حيث كانت تعتقد بأن الخوف يولد الخوف، وأنها لن تعاقب شعبها على معتقداتهم بل على أفعالهم، لأنها واثقة من حبهم الذي سعت لكسبه دوماً، ورغم هزيمة الأسطول الإسباني، إلا أن الحرب استمرت سته عشر عاماً أخرى، وسط مخاوف الإنجليز من التهديدات الإسبانية لبلادهم وعقيدتهم .

فعندما قررت الملكة إعدام ماري ستيوارت الكاثوليكية، ابنة عمها، أوقفوها على منصة الإعدام فقالت أشياء يعرفها المؤمنون والمظلومون: من أنتم لتحاكموني؟ لقد جعلني الرب على ما أنا عليه، وهو الوحيد الذي من حقه أن يحكم عليّ، ضعوا قانونكم فوق قانون الرب، فما هو القانون الذي سيدوم؟ إنكم بغروركم وجهلكم قد أطلقتم وحش سوء الحكم، أنتم بما تفعلون لستم على ما أنتم عليه، لكنني أعرف من أنا، إنني سأموت كما عشت ملكة ومؤمنة برحمة الرب . كانت الخطيئة تملأ جفن الجلاد وتشغله الرهبة المتقدة قبيل تنفيذ أمر الإعدام، والأفق يطارده في حوافر الأرض دخاناً وفي يده الفأس، وحينها طلب منها المعذرة لتنفيذ الحكم فردت عليه: سامحتك الآن من كل قلبي، وآمل أن تضع نهاية لكل متاعبي . ثم انحدرت دمعة كبيرة من عينها تجمع بين الارتياح من الحياة والألم، وهكذا انتهت حياة ماري ستيوارت المتهمة باطلاً من دون أدلة بتدبير من رجال الدين الكاثوليك .

لقد صور فيلم إليزابيث: العصر الذهبي الذي بثته العديد من المحطات التلفزيونية مؤخراً، تلك الأحداث التاريخية المؤثرة، وبما حدث في الماضي من قتال بين المذهبين الكاثوليكي والبروتستانتي، والعداء الديني الذي ساد في القرن السادس عشر في ظل الانتشار السريع للمذهب البروتستانتي الذي دعمته الحركات الإصلاحية في أنحاء أوروبا، ما جعل فيليب الثاني ملك إسبانيا يُقسم بإعادة كل أوروبا إلى المذهب الكاثوليكي، ولم يقف في سبيله سوى إنجلترا الأمة المضطربة، ويبدو كأن التاريخ نتيجة للواقع السياسي الحالي يعيد نفسه في العالمين العربي والإسلامي، حيث الخلافات بين المذاهب والطوائف وخطورة الإيديولوجيا الدينية الراديكالية، وثقافة التطرف والكراهية، وتوظيف المتطرفين لتراث المذهب أو الطائفة، من أجل تحقيق الأهداف الخاصة المتمثلة في الزعامة والشهرة والتي تعزز الصراع والانقسام وتنذر بفترات من الجفوة والجفاء بين أبناء الأمة الواحدة .

إن روح الفنان تنزع دائماً إلى البحث عن فرديته أو أنه من طبيعة الإنسان دائما أن ينشغل بالتحدي، ويدفعه الهدوء إلى التخلي عن كل شيء وتأمل الذات، أو أن ديالكتيك الوجود الإنساني مع نفسه الذي لا يقطع عليه حياته، بل يصنع تواصلها هو نفسه الذي لا يقطع معطياته من الإبداع، بل يعطيه هذا التواصل تأكيداً على القيمة الروحية في الفن، وتأكيداً على الدور النفسي في سيكولوجيا التوصل والتلقي . فحينما يشرع في التفكير في العالم المحيط به باعتباره جرياناً مستمراً لا يتوقف داخل الزمن، يرى في ذاته ثباتاً في المكان لا يتبدل، يدور داخلها كل ما حدث في الزمان البشري في دوامات لا مركز لها، باحثاً عن السبيل إلى أن يتوحد مع الإنسانية عن طريق المخيلة التي قادته مباشرة إلى الماضي، فقد ظلت الذاكرة البشرية لغزاً لا يمكن تفسيره بالركون إلى فكرة أنها منظومة معقدة تعقيداً شديداً، فالإنسان الفرد ليس مجرد تكرار لأسلافه يواجه نفس الخطئية والمصير، كما أنه ليس مجرد تكرار لمعاصريه، رغم خضوعه مثلهم لنفس المؤثرات الخارجية في تقدم التاريخ كحركة عضوية تسهم في إحداثها كل مكونات المجتمع المادية والروحية، متخذة شكلاً دائرياً يبدأ بالميلاد وينتهي بالموت في نقطة واحدة، حيث يمتزج الميلاد والموت معاً، فلا تستطيع تحديد النقطة التي يبدأ عندها محيط الدائرة، وتلك التي ينتهي إليها، وهكذا يبدو التاريخ الإنساني تقدماً على الدوام، بينما هو مركب من التقدم والانتكاس معاً صعوداً ونزولاً في وقت واحد على محيط الدائرة .

ويطرح ويليام نيكولسون ومايكل هيرست، كاتبا سيناريو الفيلم في النهاية السؤال الرهيب الذي لم يكن في وسع كل من هؤلاء المتشائمين إلا أن يضع نفسه في تلهف مغيظ، ويأس مضطرب، وحيرة رجراجة على صورة هذا الوجود ونوازعه القوية، وما يصاحبه من آلام في ظلمات الإرادة الكلية، التي تشكل اللحن الحزين في خفايا الشقاء وينبوع الفناء . لقد رسم الكاتبان رؤى تلك الأحداث والإحساس بهذا الفقد في الحياة التي سلبت من ماري ستيوارت، نتيجة لتوتر عصبي، ودمار وجداني، وألم إنساني مشبع بالخوف في وسط لهب التطرف .

إن نقاب الوهم الذي يغشى على أبصار الزمان اللانهائي، والذي هو صورة من الصور التي نحلمها دائماً حاضرة لدى الذات في ذاتها، سواء منهم من أضاف هذا الوجود المستقل إلى ذات الواقعين السابقين لأماكن في غيوم الفجر المحمر بأشعة الشمس للتضحية بسعادة في سبيل الغاية والموضوعية، ذلك أن التراث البشري مشترك بتداخل الأجناس، ويسهم النشاط الإنساني عبر الأزمان في تجسيم الفن كضرورة حياتية تعين على تسجيل ذاكرة الإنسان في الوجدان الجماعي، وإبراز الحقيقة الخافية إلى ما فوق التغيرات الفيسيولوجية بدقة متناهية في سمو ذلك الغائب في البحث عن دهاليز الحقيقة الغامضة للدلالة على الواقع الواضح .

كاتب من الإمارات

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"