تلفح رياح التغيير عدداً من المجتمعات العربية، وتظهر آثارها واضحة بشكل خاص في المجالات الفكرية في مصر . فالخير المشترك لا يتمثل في هدف جماعي أو في ما وراء التاريخ، حيث لا يمكن للأمم أن تعيش من دون عقائد مشتركة أو إيديولوجية تتجاوز التاريخ الذي تصنعه الفروض والتبادلات والاقتباسات وتحولات الأديان .
ومن حق الشعب المصري بعد الثورة أن يشترك في معتقدات وقيم وأفكار مثل الحرية والديمقراطية والعدالة، ولكن كل هذه الأمور مجرد وسائل من أجل بلوغ هذا أو ذاك، والأهداف الأخيرة لثورة مصر هي أن تعيد للفرد الشيء الذي اغتصبته منه الدولة بعد زمن كريه يشوبه التدهور والحزن والإحباط وفن الموت، أو بمعنى العيش في حالة موت وتخبط وتعارض بين الحرية والمساواة، بين الفردية والديمقراطية، بين الحريات والمركزية الحكومية، والتناقض النابع من الظلم والتفاوت بين مستوى حياة الشعب .
ولكن المتأمل للملامح والصور والحوارات الإعلامية الفكرية وسط الكثير من الآراء والطرح على مختلف الصعد الفكرية تصادفه نزعة ذاتية طاغية الادعاء وحجم الأنا فيها مثير للريبة في ظل حوارات ولقاءات كلها غامضة تثير الجدل غير عابئة بمصير الأمة ومستقبلها، ضجيج يشعل نار الغل والحقد والكراهية في جسد الأمة المصرية .
أحداث متصاعدة واختلاف في الرؤى بين القوى السياسية والدينية، تصاحبها رغبة قوى خارجية في إضعاف مصر والعبث بأمنها . وقد ظهرت نذر الفتنة يوم الأحد 9 أكتوبر/ تشرين الأول 2011 عندما تحولت ساحة ماسبيرو إلى ميدان من الاشتباكات والمواجهات العنيفة بين قوات الشرطة والجيش من جهة، والأقباط المتظاهرين من جهة أخرى، وأسفرت الأحداث عن مقتل العشرات ومئات الجرحى ومسيرات تردد هتافات معادية ضد المجلس العسكري، وهي محاولة من قبل البعض للدخول في مواجهة مع الجيش، بالرغم من موافقة المجلس العسكري الحاكم على تعديل القانون الانتخابي، وتأكيد المشير طنطاوي القائد العام رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة يوم الخميس 6/10/2011 على أن مصر تمر حالياً بمرحلة دقيقة من تاريخها، وتشهد تحولاً شاملاً في المسيرة الوطنية في ظل متغيرات وأزمات باتت تلوح في الأفق وتتطلب من الشعب على اختلاف توجهاته السياسية وغير السياسية أن يدرك تداعياتها ومتطلبات عبورها والخروج من طريقها الصعب، وقوله إنه كان واجباً علينا مواجهة هذه الأزمات والمخاطر حتى لا تعرقل مسيرتنا وأهدافنا القومية وتنزلق بالوطن والشعب إلى منزلق مجهول العواقب، يحول دون المضي نحو المستقبل الذي ننشده، وكذلك دعوته إلى وجود الوعي للتحديات التي تهدف إلى بذر الفرقة والشقاق والنيل من أمن مصر القومي واستباحة الجبهة الداخلية، في إشارة إلى من يهدف إلى جعل تكلفة التغيير ليست فقط دامية، ولكن ربما تصل إلى تفجير الجغرافيا لإعادة رسم العلاقات مع الشعوب والدول من بعض الذين لم تسعدهم حرية الشعب المصري، فهم يثيرون الكثير من الغبار ويوظفون تحالفاتهم الفاسدة في الصراع مع حرية ومصالح الأمة والوطن .
إن المتتبع لساحات الحوار يشعر بأن مصر تعيش مرحلة الاصطدام الفكري وجملة من الفتن المخيفة على المستوى الفكري، إذ تنضوي تحت هذه الفتنة توجهات إيديولوجية وسياسية شتى من أصحاب الرأي والفكر يخشى أن تؤدي إلى تدمير المجتمع برمته . ومن المؤكد أنها فتنة، وهناك من يسعى إلى تقطيع أوصال أمته، وبث الفرقة والشقاق بين أهلها، وإن تكن أنواع الفتن كثيرة فإن الفتن الفكرية تعد أكثرها خطراً وأشدها وطأة وأنكاها بلاءً، إذ ترتبط بالفتن الفكرية كل الفتن الأخرى من دينية وسياسية واجتماعية . فالتدين فكر والسياسة فكر، وهذا النوع من الحوارات يوسع دائرة الاتهام لمزيد من سوء الظنون وترسخ ما ساء في النفوس وتقلل من فرص التفاعل المطلوب والتكامل، لا بل وتزيد العداوة والشقاق .
ومع ذلك، لا أحد ينكر أن هناك من المفكرين من لا يزال يحترم الكلمة الصادقة ويدرك المسؤولية الملقاة على عاتقه، مسؤولية تثقيف جيل شباب الثورة والنمو بأفكاره ومداركه، ويساعد على بناء الشخصية المصرية، وينمي الإرادة وروح التغيير وإرساء أسس عقلانية وتوجهات علمية لبناء ثقافة الحرية والإفادة من منجزات العقل الإنساني، حتى تستعيد مصر مجدها العريق وتأخذ مكانها بين الشعوب المتحضرة الأخرى . حمى الله مصر قلب الأمة العربية .
* كاتب من الإمارات