عجائبية المشهد السياسي العربي

04:06 صباحا
قراءة 3 دقائق

يتميز المشهد العربي العام بغرائبية فريدة من نوعها، أما المشاهد الخاصة بكل دولة فهي أكثر من عجائبية. ويكاد المراقب للأحداث ولاسيما السياسية منها، أن يفتح فمه على آخره مندهشاً، أو مصعوقاً لما يراه، غير مصدق لما يحدث، مهما وضع من فرضيات إيجابية، ومهما تمسك بأمل، أو بضوء في نهاية النفق، كان يراه باستمرار الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، ولم يكن أحد يعلم عن أي ضوء يتحدث، وما حجم ذاك الضوء، وكيف سيصله؟ ولهذا، فإنه رحل عن دنيانا، وهو يتمتع بعجائبية تفوق الشخصيات الروائية، إذ لم يكن أحد يعلم ما كان يدور في رأس الرجل، والدليل أنه لم يؤسس لأي شيء، حتى المفاوضات، كما اتضح في ما بعد، لم يؤسس لها بشكل سليم، وترك الساحة الفلسطينية فارغة من أي زعامة، فمن خلفه حاول تقليده وفشل، ومن عارضه فشل، والفشل يجر الفشل.

ولعل الحديث عن استراتيجيات عربية عامة أو خاصة، سياسية أو في أي حقل من حقول الحياة، وعدم نجاح تلك الاستراتيجيات، سيقود بالتأكيد إلى التعريف الأول لفلسطين، لأن أي اختلاف بين الدول العربية الآن، هو بسبب فلسطين، وأي توافق مستقبلي، يجب أن يكون بسبب فلسطين، ولا يمكن أن يحدث انسجام تام أو اختلاف تام، طالما القرار في الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية، لا يصنع في أروقة الجامعة، وإنما في عواصم عالمية وإقليمية أخرى، لها مصالح تتقاطع مرحلياً مع تلك الدول، على اختلاف مشاربها، وسبب صناعة القرار خارج قاعات جامعة الدول العربية يعود أولاً وأخيراً إلى الواقع في فلسطين، بما يشمله من احتلال لأرض فلسطين، واحتلال لأراض عربية، ومن المعاهدات والاتفاقيات التي سميت جزافاً باتفاقيات السلام، وبرامج التطبيع العجيبة والغريبة جداً.

ولو حاولنا الاستدلال بالقرارات التي تصنع خارج العواصم العربية، فإننا سنستدل بتقرير غولدستون، بشأن الحرب الأخيرة على غزة، الذي طالبت السلطة الوطنية الفلسطينية بتأجيل مناقشته إلى شهر مارس/ آذار من العام القادم، بسبب تهديدات أمريكية وصهيونية بإلغاء العملية السلمية، والغرابة الأكثر تكمن في أن جامعة الدول العربية أسفت لتأجيل مناقشة التقرير، وكوادر مهمة من فتح انتقدت التأجيل، وحركة حماس هاجمته، فإذا كانت جامعة الدول العربية والأطراف الفلسطينية المذكورة قد أبدت أسفها ودهشتها من قرار السلطة الفلسطينية، ترى، أين تم اتخاذ هذا القرار؟ أليس في هذا عجائبية تدعو للضحك والبكاء في آن واحد، وتدعو للدهشة المريرة أيضاً؟ وإن دل هذا التخبط على شيء، فإنه يدل على كثير من الأمور وهي:

* أولاً: إن قرار التأجيل لم يتم التنسيق بشأنه مع جامعة الدول العربية.

* ثانياً: لم يحظ قرار التأجيل بإجماع داخل السلطة الفلسطينية، ووصفه نبيل عمرو، سفير فلسطين السابق في القاهرة، أنه عمل ارتجالي، وطالب بالكف عن ممارسة الارتجال في العمل السياسي الفلسطيني.

* ثالثاً: عدم الجدية في مواجهة الكيان الصهيوني وفضح ممارساته الهمجية والنازية في قطاع غزة ابان الحرب الأخيرة، وقال مسؤول قطري إن السلطة الفلسطينية فوتت فرصة قد لا تتكرر.

هذا استدلال قريب جداً من حيث الزمن والخطورة، أما الاستدلالات الأخرى المهمة، فإنها تكمن في هزال التنسيق العربي السياسي، بل يمكننا القول في غياب التنسيق الجدي، وقد نلفت الانتباه هنا، إلى أن دول المغرب العربي غائبة كلياً عن الحراك السياسي العربي، ومهتمة بشؤونها الداخلية الخاصة، وغياب هذا الجزء المهم والحيوي من العمل العربي، يتركه عرضة للتجاذبات الأجنبية، ومحاولات تحييده أكثر فأكثر، رغم الحراك الشعبي بين فترة وأخرى، كما حدث ويحدث في المملكة المغربية.

أحدث تصريح لوزير خارجية الكيان الصهيوني ليبرمان، أشار إلى أن الصراع العربي الفلسطيني والصراع العربي الصهيوني لن يتم حله في السنوات القادمة، ودعا جميع الأطراف إلى التعايش وفق الواقع الحالي، أي إبقاء الحال على ما هي عليه، حركة فتح في الضفة الغربية، وحركة حماس في قطاع غزة، والجيش الصهيوني في هضبة الجولان، والسفارات الصهيونية في عدد من العواصم العربية. ويمكن أن نضيف للواقع أيضاً، مساعي وقف الاستيطان مقابل التطبيع مع عدد من الدول العربية، في سابقة تاريخة عجيبة أيضاً.

وتصريح ليبرمان واقعي إلى درجة مخيفة ومريبة في آن، ولكنه غير بعيد عن الحقيقة التي تقول بأن الحال ستبقى كما هي عليه الآن، لأن الكيان الصهيوني على استعداد للتفاوض مائة عام أخرى، من دون أن يقدم شبراً واحداً للفلسطينيين، ومن دون أن ينسحب من الأراضي العربية المحتلة عام 1967. فهل سيأتي اليوم الذي سنتآلف فيه مع تصريحات المسؤولين الصهاينة، وتكون كلماتهم أكثر صدقاً بشأن توصيف واقع الصراع العربي الصهيوني؟ إنها العجائبية في أخطر تجلياتها.

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"