علق أحد الأمريكيين (البيض) على فوز باراك أوباما (الأسود) بأن الرئيس الجديد سينتقل إلى (البيت الأسود)، وهي علامة واضحة تدل على تفرقة عنصرية مفرطة وليس لها صلة بموقف سياسي أو انتخابي، شأنها شأن محاولة اغتيال أوباما التي أعلنت عنها الشرطة الأمريكية قبيل الانتخابات بأسبوع تقريبا، حيث تم القبض على مجموعة من الشبان (البيض)، كان هدفهم ألا يحكم أمريكا رجل من أصول إفريقية.

تلك كانت ملاحظة أولية نبحر من خلالها بتداعيات تطال مجموعة من الأمور وأولها الاعتراف بأن الشعب الأمريكي شعب متميز هاجسه التجديد، رغم أنه هذه المرة انتخب رئيسا (أسود) ليس من منطلق رغبته في تجديد لون الرئيس، بقدر ما يحمله هذا الرئيس الشاب من أفكار يأمل الأمريكيون أن تنقذهم من حالة التدهور الاقتصادي الذي ورطهم به رئيسهم جورج بوش الابن، إضافة للعديد من الورطات السياسية عالميا، وأهمها ورطتا العراق وأفغانستان. فالمواطن الأمريكي ليست له طموحات سوى أن تبقى أمريكا محافظة على موقعها كأقوى دولة في العالم، ليحافظ على احترامه في كل الأماكن، وليبقى جواز سفره صالحا للدخول إلى مختلف عواصم العالم من دون تأشيرات مسبقة، وأن يبقى المواطن الأمريكي ينتمي إلى أغنى دولة في العالم، أي أن يبقى مستمتعا بأسلوب ونمط حياته المبنية على الحرية الشخصية والفرص الذهبية في المجال الوظيفي العملي والأداء الاقتصادي، ويبدو أن نصف سكان العالم أو دوله بالأحرى، يطمحون إلى أن يبقى الاقتصاد الأمريكي مزدهرا والدولار قويا لأن نصف معظم اقتصاديات العالم مرتبطة بالدولار، والنظام المالي العالمي مرتبط بالدولار أيضا، وهذا ما سيشجع الرئيس الجديد على الالتفات أكثر إلى الأزمات المحلية، التي ليس أولها أزمة العقارات والقروض وليس آخرها الركود الاقتصادي وتأزم النظام المصرفي وزيادة البطالة، على الرغم من أن برنامجه الانتخابي تضمن هذه التوجهات، حيث دعا إلى تقليل الضريبة على الطبقة المتوسطة وزيادتها على الأثرياء، إضافة إلى تركيزه على التعليم والتأمين الصحي والاستثمار فيهما، وهذا من شأنه أن ينعكس على موقع الولايات المتحدة خارجيا كقوة عظمى.

إن الرئيس ال 44 للولايات المتحدة الأمريكية يعلم أنه لا يحمل عصا سحرية، واعترف بوجود صعوبات وقد يستغرق الأمر أكثر من عام لتظهر نتائج سياسته، إلا أن أهم فضيلة لقدومه هو أنه خلص العالم وبلاده من رجل أفسد كثيرا ووتر كثيرا وكاد يدخل العالم في حرب عالمية ثالثة، وما أدراك ما حرب عالمية في عالم تنتشر فيه أسلحة الدمار الشامل الفتاكة، ومنها ما يقتل البشر فقط دون الشجر والحجر، ومنها ما يخترق طبقات الأرض ثم ينفجر، أي أنقذ العالم من كارثة محققة، وفي الواقع لا تزال الفرصة سانحة أمامه كي يقوم بعمل أهوج كالاعتداء على إيران، أو تحريض الكيان الصهيوني للاعتداء على جنوب لبنان، أو التحرش بكوريا الشمالية على سبيل المثال، حتى يشعل الأخضر واليابس، ويتسبب بتلك الحرب التي ستحطم الحضارة التي أسسها الإنسان عبر عصور من الاكتشافات العلمية المذهلة.

من جانب آخر، أجزم أن أوباما، ومن منطلق إيمانه بمبدأ الحوار لحل المشكلات العالمية، فإنه سيحرك الماكينة الدبلوماسية الأمريكية دون الأساطيل، وسيلتفت أكثر للشأن الداخلي، ولا شك أنه قد يلجأ للانسحاب من العراق وأفغانستان مع ضمان النفوذ الأمريكي أكبر مدة ممكنة، أو أن يجد صيغة عالمية لحل هاتين المشكلتين، أما الكيان الصهيوني فإنه سيستغل فرصة عدم انصياعه لفكر أوباما بشأن الحوار، وسيصعد عدوانه على الفلسطينيين، وقد بدأ هذا التصعيد في يوم الانتخابات الرئاسية الأمريكية، ومن المتوقع أن يقوم بجرائم ومجازر واغتيالات واعتقالات قياسية، وربما يعيد رسم خريطة أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية من جديد، حتى يفاوض على (المستجدات) وليس على أجندة قديمة، الأمر الذي سيصعب مهمة أوباما، رغم إعلانه أنه يدعم الكيان الصهيوني ويحافظ على صداقة الولايات المتحدة معه انطلاقا من استراتيجية تتعلق بالأمن القومي الأمريكي ومصالح أمريكا العالمية. لقد لاقى أوباما ترحيبا على الصعيد العالمي لم يحظ به أي رئيس أمريكي، كونه المخلص من شرور سلفه، ولكن، هل سيخيب أوباما ظن العالم به؟ سؤال يدور في أذهان العرب جميعا والفلسطينيين على وجه الخصوص، كون أمريكا تعتبر الراعي الرئيس للسلام، والضاغط الأوحد على الكيان الصهيوني. وبغض النظر عن أحقيتهم في التعويل على أمريكا أو الرئيس الأمريكي، وأعتقد بأن أوباما سيخيب ظن العرب به لأنه لا يملك إمكانية الضغط القاسي على الكيان الصهيوني، الذي يمتلك تأثيرا ليس اقتصاديا فحسب ولكن سياسيا ودبلوماسيا، فضلا عن عدم رغبته بذلك، ناهيك عن أن هناك دولا أخرى أوروبية لن تتخلى عن الكيان، بصفته حامي ديمقراطيتها وممثل مدنيتها، ويجسد ذراعها اليمنى للضغط على شعوب وحكومات المنطقة العربية لاستغلال خيراتها وإبقاء شعوبها في آتون التخلف التكنولوجي والاقتصادي. ولهذا، فإن على الفلسطينيين والعرب عدم الانتظار، لأنهم سينتظرون طويلا، ريثما ينتهي أوباما من مشاكل بلاده الداخلية، التي من أجلها انتخبه 43% من البيض و96% من السود، وأن يضعوا استراتيجية جديدة لمواجهة العدوان الصهيوني القادم لا محالة.

إن الكيان الصهيوني لن يهدأ ولن يستسلم وسيحاول توريط الرئيس الجديد في منطقة صراع أخرى، ومن المحتمل أن تكون إيران، إذ قد يلجأ الكيان إلى مغامرة غير محسوبة استنادا إلى أن أمريكا لن تتركه وحيدا، وستورطه في حرب لا هوادة فيها، أما إذا وقف موقفا وسطا، ومن المحتمل أن يفعل ذلك، مكتفيا بدعم الكيان عسكريا ولوجستيا، فإنه عندها سيضع حدا للحرب المحتملة وبشكل سريع.

قال أحدهم إن هناك ثلاث لاءات للشعب الأمريكي: ألا تحكمه امرأة، ألا يحكمه رجل أسود، وألا يحكمه رئيس غير ماسوني، والنتيجة أن المرأة هزمت أمام (الأسود)، ولا نعرف الباقي.

باراك أوباما سيتسلم السلطة في العشرين من يناير المقبل، وهي لحظة تاريخية لأمريكا وأوروبا، إذ لم يصل إلى سدة الحكم رجل غير أبيض في أوروبا منذ تكونت هذه الدول، وحدوث هذا الأمر في أقوى دولة في العالم، يعطي إشارات واضحة لعصر جديد، ولن يتم الاكتفاء في التغيير داخليا، وإنما سيشمل دولا أخرى، أسوة بالنموذج الأمريكي، فإذا كانت أمريكا محكومة من قبل رجل عادي من المهاجرين، ألا يفترض هذا تغييرا في أماكن كثيرة؟ هذه هي الروح التي سيتحرك بها أوباما، ولهذا نعتقد أن عصر نشر الديمقراطية الذي بشر به بوش وعجز عن تحقيق شيء منه، سيحققه أوباما، فليحضر العالم العربي نفسه لرجل لا يعترف بالخلود والتوريث، وليبدأ من الآن إجراء مشاورات من أجل التغيير.