على طريق الحزب الواحد الحاكم

04:05 صباحا
قراءة 4 دقائق

حقق العراق على أيدي حكامه الجدد رقماً قياسياً دخل في موسوعة غينيس الشهيرة. الرقم القياسي لا يتعلق بأي شكل من أشكال الإنتاج أو المهارات، وبلاد الرافدين لا تخلو من إنتاج مميز حتى لو كان على مستوى السمك المسكوف مثلاً، كما أن شعبها الشقيق ليس بغير مهارات وها هم فنانوه وعلماؤه يفوزون بجوائز عالمية كحال المهندسة العمرانية زها حديد.

الرقم القياسي يتعلق مع الأسف بشكل من أشكال التأزم السياسي والديمقراطي، متمثلاً في العجز عن إسناد رئاسة السلطة التنفيذية لشخصية فازت في الانتخابات البرلمانية التي جرت في السابع من مارس/آذار الماضي.

وقد تم انتزاع اللقب من هولندا التي شهدت أزمة مماثلة في السبعينيات استمرت ل 208 أيام. علاوة على أزمات مماثلة متعاقبة بلا عدد شهدتها إيطاليا. العراق ومنذ الثالث من أكتوبر/تشرين الأول الحالي انتزع اللقب، وليته لم يفعل.

الخبر يبدو في ظاهره طريفاً، لكنه في جوهره يكشف أننا نتنافس مع الآخرين على الخسارة لا على الفوز، ونتفوق في هذا عليهم. لم يستوقف الخبر أحداً يذكر من صانعي الأزمة المديدة في بغداد، وبالذات من يتشبث بالموقع التنفيذي الأول ويأبى أن يتخلى عنه رغم أنه يقوم دستورياً بتصريف الأعمال لا غير، لكنه واقعياً يمارس السلطات كاملة وخاصة في غياب مجلس النواب الذي انتخب، ولم يعقد سوى اجتماع واحد سرعان ما انفض.

طوال الفترة السابقة منذ أزيد من سبعة أشهر جرت مناورات واتصالات وتم تنفيذ سيناريوهات متعددة بين اللاعبين الكبار، لم تصل إلى أية نتيجة. رئيس الوزراء المنتهية فترته نوري المالكي ظل طوال سنوات حكمه يحذر من تدخلات خارجية وله الحق في ذلك من ناحية المبدأ ، وها هو الآن يبقى في الحكم خلافاً لأي عرف أو معيار، بفضل توازنات وتفضيلات خارجية تجمع واشنطن بطهران. ولا شك في أنها معجزة اجترحها الرجل بجمع ما لا يجتمع. مع ملاحظة أن هذا الالتقاء تم على شخصه وليس على دعم خالص للبلد لضمان استعادة سيادته، والحد من كل تدخل خارجي أياً كان مصدره، وهذه هي المفارقة الأولى، والثانية وهي الأهم مفادها أن التمسك بالحكم على هذه الصورة، يضمر تشككاً بالعملية الديمقراطية أو العملية السياسية كما هو مسماها في العراق، وذلك من ناحية عدم القبول بمخرجات هذه العملية أي نتائج الانتخابات من جهة، ثم بالتصرف على أساس أن من يترك موقعه قد لا يعود إليه، والأضمن ألا يتزحزح عنه من جهة ثانية.

هذا هو منطوق الحال في الأزمة القائمة.فمبدأ التداولية والاحتكام إلى صندوق الاقتراع يتم الأخذ به.. بهذا المبدأ إذا فزنا. أما إذا حالف الحظ سوانا، فمن الأفضل والأوجب عدم التخلي عن المكتسبات، واللجوء إلى تكييف العملية السياسية على نحو يضمن لنا البقاء إلى إشعار آخر، وعلى الآخرين بدورهم التكيف مع واقع الحال، ومع الأمر الواقع فليس لديهم من خيار آخر!. التحالف الوطني بزعامة عمار الحكيم انشق على نفسه، بعد خروج الصدريين على التوافق داخل هذا التحالف وانحيازهم إلى المالكي. في واقع الحال إن التيار الصدري بموقفه الجديد قد انشق على نفسه، وهو ما تشدد طويلاً في رفض اختيار المالكي، وبهذا فالأزمة ذات بطن خصب يولّد المزيد من الأزمات.

في خضم هذا الاستعصاء، يسترعي الانتباه أن المالكي وهو ناطق سابق باسم حزب الدعوة ولم تكن لديه طموحات سياسية ظاهرة، ينجح في الانشقاق عن تحالفه السابق مع الحكيم الأب الراحل عبدالعزيز في أثناء توليه الحكم، ويتقدم في المنافسة الانتخابية على مقتدى الصدر، وكان قد جرد حملة عسكرية على ميليشيات الأخبر، وأهم من ذلك يحافظ على تماسك ائتلاف دولة القانون الذي يقوده. هذه نجاحات تحسب له، وقد حققها إبان توليه الحكم، وليس في إطار منافسة متكافئة مع الآخرين.

بتشبث المالكي بالحكم يبدو الرجل كمن يسير على طريق بلورة حزب حاكم لا يتزحزح عن الحكم، لا حزب يفوز في الانتخابات فيقود حكومة، أو يذهب إلى المعارضة حين يُمنى بخسارة. هذا التطور يهدد العملية السياسية الوليدة، ويعيد عقارب الساعة إلى الوراء لعهود الاستئثار الحزبي بالحكم. وفي احدى المناسبات كشف المالكي أن قيادة الحكم ليست بالأمر السهل وأن هناك عواقب أمنية واستراتيجية إن لم يتول الحكم من أهل له. بهذا فإن الرجل حدد شروطاً للوصول إلى الحكم ليس من بينها ما تفرزه صناديق الاقتراع من نتائج، وكان واضحاً أن المقاييس التي وضعها تنطبق عليه كما يشي حديثه من دون غيره. وفي مناسبة أخرى في الآونة ذاتها التي تلت إجراء الانتخابات، كشف رجل قريب منه أن هناك مواصفات طائفية تمنع التسليم بأن يُعهد بتشكيل الحكومة لرجل مثل إياد علاوي الفائز مع قائمته العراقية في الانتخابات.

على هذا النحو ترتسم معالم الأزمة الداخلية المسدودة، بعد أن تم وضع البلد أمام خيارين: إما قبول القوى السياسية الرئيسة بالتجديد لحكومة تصريف الأعمال وإعادة تسمية رئيسها لحكومة دستورية، وإما أن تواصل هذه الحكومة عملها إلى ما شاء الله بقوة الأمر الواقع.

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"