مر من العُمرِ عام وكأنه لم يمر، فحضورك البهي لا يزال يخطف الأبصار، ويوجه البوصلة، مازلنا نسير على دربٍ لا يُوصل في يوم الجمعة إلا إلى عتباتك، ولا يُقبِلُ إلا يديك، ولا يستمد القوة إلا من عينيك . . ولا يضمد جراحه إلا مِن بلسم كلماتك .
فاطمة . . يا فاطمة .
قماش . . لؤلؤة القلب ونخلة الروح وظلها الظليل . . واحتنا التي كنا نؤوب إليها كل جمعة لنعطر قلوبنا وننقي عيوننا ونُطهِرَ سرائِرنا . جمعتنا على محبة نلتقي عندها ومعها، نداوي جراحاتنا بسكينتها ونغسل أدران شوائِب نفوسنا بين يديها، ونرمم دواخلنا على كل من غاب وفقدنا، نراهم فيها وبها، فنستكين ونرضى .
غادرتِنا زكية طاهرة كريمة، يا من كُنتُ أتجلد بك، فعاد القلب إلى نزفٍ جديد، ذكره دفعةً واحدةً بكل الأحبة الراحلين، ملأه إحساس بأن جذوره تتقطع واحداً تلو الآخر، فيبقى مجرد غصن وحيد لا جذر له ولا ظل يظلله ويحميه .
خالتي وأمي، وعرقي الأقرب إلى القلب، كم أفتقدك يا من جمعتِنا محبةً وأُلفة، أيتمني غيابك مرةً أُخرى فغدا القلب بجرحين . . ينزف هذا الجانب بأم وينزف الآخر خالة أم .
سؤال ممض . . هل يستطيع أيٌ منا متى أو كيفما يشاء أن يمسك بممحاة ويمسح بها شطر عمره أو نصفه أو نصيفه؟ هل يمكن أن نمنع القلب من الانفطار على فقد من علموه المحبة وقيم الخير والمودة؟ هل يمكن أن نمنع نزفه لمن شب وهو لا يرى سواهم؟ هل يمكن أن نقطع جذورنا فننسى أو نتناسى أونتبرأ من ذاكرتنا، وهم من هم رسموا لنا دروب الحياة منذ إطلالتنا الأولى عليها؟
ما أصعب أن تحس بأن روحك مهزومة تنثلم بين كل حين وآخر، ثلماً يظل ينزف مخزونها حتى تذوي فتلحق بمن غادروها .
آه ما أصعب الفراق وأمضّه! ما أوجع خروج الروح من الروح!
ما أصعب أن ترغب في أن تستند لتشعر بالاطمئنان فلا تجد نخلتك التي اعتدت أن تسندك، ولا الظل الذي اعتدت أن تتوارى في فيئه، ولا تجد أن تغسل همومك في نهر المحبة الذي اعتدت الشرب منه .
يا فاطمتاه، أيتها الحيةُ فينا، لم تغادرينا أبداً، مر من الغياب عام . . وفراقك ثكلٌ ليس أمضّ منه شيء . أخذ عمقنا الأجمل، أخذ تاريخنا وتركنا لقسوة الذكريات .
لكن لا راد لأمر الله . . وإنا لله وإنا إليه راجعون . وتغمدك الله بواسع رحمته وأسكنك فسيح جناته وألهمنا الصبر والسلوان .