لا نذيع سراً حينما نؤكد أن الحضور الثقافي والتمركز السياسي والاقتصادي الفرنسي في المغرب العربي يعتمدان بالدرجة الأولى على الاستثمار السياسي والإيديولوجي للإشكالية الثقافية البربرية بالمنطقة، فلقد وظفت باريس هذه الورقة اللغوية بشكل مكثف خاصة في الجزائر والمغرب، أثناء مرحلة الاستعمار، من خلال إصدارها لتشريعات تهدف إلى الفصل بين السكان العرب والأمازيغ(البربر)، مثلما حدث مثلاً مع الظهير البربري الذي تم اعتماده في المغرب بداية من سنة 1930 من القرن الماضي، إضافة إلى السياسة التعليمية الفرنسية التي كانت تركز على دعم ونشر وتدريس اللغة الفرنسية في المناطق الأمازيغية بالجزائر خاصة في منطقة القبائل، ما أدى في مرحلة لاحقة إلى تكوين نخب ثقافية فرانكفونية قوية ومؤثرة تنحدر في أغلبها من أصول أمازيغية، في كل من الجزائر والمغرب . لذلك فإن فرنسا دخلت مباشرة بعد استقلال دول المغرب العربي في صراع مفتوح ضد سياسات التعريب التي اعتمدتها دول المنطقة، حتى إن اختلفت هذه الدول في درجة حرصها على تعميم استعمال اللغة العربية . وعليه فقد نشبت في دول المنطقة صراعات كبيرة وحادة حول مسائل اللغة والهوية، حركتها ودعمتها أوساط معروفة بتوجهاتها الفرانكفونية، كانت ومازالت تسعى إلى التشكك في طبيعة الانتماء الحضاري إلى شعوب المنطقة .

وإذا كانت ليبيا قد ظلت حتى الآن، الدولة المغاربية الوحيدة التي تقع خارج دائرة النفوذ الثقافي والسياسي الفرنسي، فإن تطور الأوضاع في ليبيا بعد ثورة 17 فبراير وفر لها فرصة يصعب أن تتكرر، من أجل بسط نفوذها في المنطقة بمساعدة غير مباشرة من بعض الجمعيات الثقافية البربرية الناشطة في المجال الثقافي والسياسي خاصة في فرنسا والجزائر . ولم يكن غريباً بالتالي أن نرى بعض اللاجئين الليبيين المنحدرين من المناطق الأمازيغية في ليبيا الذين فروا إلى تونس، يرفعون أعلاماً ملونة تحمل بعض حروف التفيناغ التي ترمز إلى الحروف البربرية القديمة، وهي الأعلام نفسها التي تنتشر بشكل أساسي لدى الأوساط الثقافية البربرية في الجزائر . ما يثير علامات استفهام حول طبيعة النوايا الفرنسية تجاه ليبيا، خاصة أن النخب الثقافية والسياسية الليبية ليست لها خبرة كبيرة في التعامل مع أساليب الدعاية الثقافية والسياسية التي تمارسها فرنسا، تحديداً عندما يتعلق الأمر بتعاطيها مع الشأن الثقافي البربري .

وعليه فإنه لم يكن من المستغرب أن تقوم فرنسا باختيار منطقة يسيطر عليها ثوار ليبيون أمازيغ من أجل تزويد المجلس الوطني الانتقالي بالأسلحة، فقد أقدمت الطائرات الفرنسية على إلقاء الأسلحة فوق جبل نفوسة الذي يتوسط مرتفعات تقع تحت سيطرة ثوار أمازيغ في مطلع شهر جوان الماضي، وذلك بحسب ما أشارت إليه الصحيفة الفرنسية التي سربت تفاصيل الخبر المتعلقة بهذه العملية، وهي الصحيفة نفسها التي أطلقت على الثوار بجبل نفوسة وصف المتمردين البربر . ويبدو أن فرنسا قد اختارت الزمان والمكان المناسبين بالنسبة إليها، حيث إنه رغم الطلبات المتكررة التي قدّمها الثوار الليبيون من أجل الحصول على الأسلحة خاصة أثناء حصار مصراتة، فإن باريس ارتأت أن تخضع دعمها للثوار الليبيين لجملة من الاعتبارات الاستراتيجية التي كانت تجعلها تمارس باستمرار سياسة ثقافية ولغوية تمييزية، تهدف إلى نشر الفرنسية والإبقاء على هيمنتها من خلال افتعال صراع وهمي بين اللغة العربية واللغة الأمازيغية، بأسلوب يؤدي في نهاية المطاف إلى التمكين للغة الفرنسية على حساب العربية . ذلك أن الثقافة الفرنسية شأنها في ذلك شأن باقي الثقافات الغربية، لا تنظر إلى الثقافات الأخرى إلا انطلاقاً من رؤية استعمارية استعلائية تسعى إلى الهيمنة على الثقافات واللغات الأخرى .

ويمكن القول بناءً على ما سبق أن فرنسا تطمح إلى توظيف ورقة دعمها للمجلس الوطني الانتقالي الليبي من أجل استكمال بسط نفوذها الثقافي والسياسي على كل دول المغرب العربي الكبير، وتريد أن تستغل بالتالي علاقاتها المتميزة والاستراتيجية مع الحركات الثقافية البربرية في المنطقة من أجل تشكيل نواة لوبي فرنسي جديد في ليبيا ما بعد القذافي .