في تقرير صادر عن مجلس الأمن القومي التركي، نُشرت فقرات منه في الأيام الأخيرة، يستوقف المرء ما ورد في التقرير عن التهديدات الخارجية الإقليمية التي تتهدد بلاد الأناضول، حيث تم وضع التهديدات النووية من طرف تل ابيب وطهران في مقدم المخاطر التي تحيق بهذا البلد على الأمد المباشر والبعيد . ومن الملاحظ أن الأداء السياسي والدبلوماسي التركي في عهد حزب العدالة والتنمية، لم يكن يلحظ بصورة مباشرة هذه التهديدات أو يتطرق إليها، وفي ذلك درس للإعلاميين الذين يأخذ بعضهم بظاهر الأمور، ولا يسعون لتلمس أبعاد السياسة الفعلية التي تتستر خلف السطور الدبلوماسية .
وقفت أنقرة مع طهران في السعي إلى التفاوض حول الملف النووي، وتفاهمت مع دول أخرى منها البرازيل من أجل التوسط للوصول إلى حلول وسط . ورفضت أنقرة أي حلول عسكرية ووقفت ضد التصعيد الدولي في اتجاه جارتها، غير أنها في العمق لا تبدي ارتياحاً للمطامح النووية الإيرانية، ولا لسباق تسلح يأخذ هذه الوجهة الخطيرة . ومجلس الأمن القومي الذي يضم سياسيين منهم رئيسا الجمهورية والحكومة إلى جانب عسكريين وأمنيين، يكشف من دون مواربة عن هذه المحاذير .
التقرير الذي حمل اسم الكتاب الأحمر من دون أي تشبه بكتاب الزعيم الصيني ماوتسي تونغ، رفع اسم إيران إلى جانب روسيا واليونان وسوريا، من الدول التي تهدد تركيا وأبقى على ملفها النووي، وفي ذلك حنكة سياسية غير خافية .فقد تم الفصل بين النظام السياسي وخياراته الإيديولوجية في إيران، وبين ممارسة مخصوصة تتعلق بالمطامح النووية لهذا البلد وتأثيرها في دول الجوار ومنها تركيا . وبهذا ابتعدت أنقرة عن الانضمام إلى طائفة كبيرة من الدول التي تتخذ موقفاً شديد السلبية من التوجهات السياسية والإيديولوجية لنظام الجمهورية الإسلامية في الداخل والخارج، وتم التركيز على موضوع بعينه من دون سواه هو الملف النووي . وهكذا بسياسة تقوم على الجمع بين مد حبال الود وحسن الجوار والتعاون الاقتصادي من جهة، وبين التوجس العلني من احتمالات امتلاك الدولة الجارة لأسلحة نووية (وأخرى كيماوية وبيويولوجية) من جهة ثانية، تتأسس سياسة رشيدة تقوم على الصداقة والمكاشفة، وتنحو نحو تجنيب المنطقة ومنها تركيا مخاطر التسابق على امتلاك اسلحة الدمار الشامل، الذي يستنزف الموارد في الحد الأدنى، ويضع المنطقة وشعوبها على شفير الهاوية في حد أعلى وليس أقصى .
لا تكتمل الصورة بغير الالتفات إلى التهديد النووي الإسرائيلي . فقد اعتبر التقرير أو الوثيقة أن السلاح النوي الإسرائيلي يشكل تهديداً حقيقياً لتركيا والمنطقة . وهي من المرات النادرة التي يتم بها التصريح بما سبق . فطيلة السنوات القليلة الماضية شاع انطباع أن التحفظات التركية على تل ابيب تتمحور حول إعاقة عملية سلمية جدية تشمل جميع المسارات، وحول سلوك الاحتلال وتهويد القدس الشرقية المحتلة، وأخيراً استهداف مواطنين اتراك مدنيين، وها هو مجلس الأمن القومي أعلى هيئة ذات اهتمامات استراتيجية، يضع الذخيرة النووية للدولة الصهيونية في موقع متقدم من المخاطر الاقليمية التي تهدد تركيا كما سائر المنطقة، ما يؤشر إلى مسار العلاقات مستقبلاً بين الجانبين . فتل ابيب أيضاً رغم أن لا حدود لها مع أنقرة إلا أنها تشترك معها في حوض جغرافي وإقليمي واحد وهما في منزلة جارتين، وأبعد من ذلك فإن العلاقة الطويلة والتاريخية بينهما في عهود اليمين القومي المحافظ التركي، لم تؤد في واقع الأمر سوى إلى تنامي المخاطر التي تهدد تركيا . وبهذا فإن المراجعة الجريئة شبه الجذرية، التي ما فتىء حزب العدالة يُقْدم عليها وعبر القنوات الدستورية وصناديق الاقتراع لا عبر انقلاب، مرشحة لأن تبلغ ذروة أخرى في التباعد عن الدولة الصهيونية، فهذه الدولة تقوم بالاحتلال وترفض السلام من جهة وتمتلك أسلحة بالغة الخطورة وترفض أي إشراف دولي عليها من جهة ثانية، ما يحول دون أي تفاهم معها ما دامت على ما هي عليه .
بالكشف عن هذه الرؤية الاستراتيجية، فإن الأطراف العربية تجد نفسها حُكماً في موقع سياسي شديد القرب من أنقرة، هذا إذا تم النظر إلى حجم المصالح والتفاهم على تحديد المخاطر، وأوجه التعاون التي لا حدود لها، فضلاً عن الإرث الحضاري والتاريخي المشترك . ومع الأخذ في الاعتبار الفراغ السياسي الذي تشهده منطقتنا، الذي يتسع مداه وتتفاقم محاذيره، وتتم مداواته بالانكفاء الداخلي وتعظيم مصالح كل طرف والقطيعة بينها وبين مصالح جماعية مفترضة مع التشبث بخطاب عربي جذاب .
من المهم تعزيز التقارب مع أنقرة بسياسة تجمع بين الوفاء لمقتضيات العلاقات الثنائية، وبين بناء جسور تسهم في الحد من المخاطر التي تتهدد المنطقة برمتها، إذ إن تضييق العلاقات وقصرها على ما هو ثنائي والعزوف عن إرساء تفاهمات بعيدة المدى تتناول الإقليم، وتمنع التدخلات ومظاهر الهيمنة أياً كان منشأها ولبوسها، لن يؤدي في واقع الحال سوى إلى محاولة جر الجار التركي إلى استقطابات، بدلاً من استثمار الموقع التركي لملء الفراغات ووقف الاختلالات، وبناء كتلة إقليمية ترعى مصالح السلام والتعاون الشاملين، كما مصالح الدول التي تنشد السير على هذه الطريق .