لا بديل عن الانتخابات

01:52 صباحا
قراءة 4 دقائق

من مفارقات الانتخابات البرلمانية المزمعة في الأردن بعد نحو ثلاثة اسابيع من الآن، أن قرار الحركة الاسلامية مقاطعة هذه الانتخابات قد أضفى قدراً من الإثارة على هذا السباق . ورغم أن الجهات الرسمية تؤثر مشاركة واسعة تضم الاسلاميين، إلا أن عزوف هؤلاء عن الترشيح لا يثير كبير قلق . فهناك فرصة مع غيابهم لبروز اسلاميين مستقلين، أو سابقين ممن خرجوا أو أخرجوا من جبهة العمل الاسلامي (الذراع السياسية لجماعة الإخوان) أو ينتمون للحزب الوسطي الذي يحمل اسم حزب الوسط الإسلامي .

وكان الملك عبدالله الثاني قد استقبل قادة من الحركة الاسلامية إلى جانب الأمناء العامين للأحزاب (16 حزباً)، في بادرة رفيعة هي الأولى من نوعها، كما أدار رئيس الوزراء سمير الرفاعي حواراً معهم في دار الرئاسة . غير أنهم واصلوا التمسك بقرار مقاطعة الترشيح من دون التصويت .

السبب المعلن للمقاطعة هو الاعتراض على قانون الصوت الواحد الذي تم الابقاء عليه، مع تعديل ضمني يفترض انقسام الدائرة الانتخابية إلى عدة دوائر مناطقية فرعية، بحيث يشمل عدد مقاعد الدائرة وليكن أربعة مقاعد تلك الدوائر الفرعية الأربع، ولذلك سميت وهمية في القانون . والقصد منها الايحاء بأنه تم الانتقال إلى نظام صوت واحد لناخب واحد لاختيار النائب الواحد عن الدائرة، كما هو معمول به في المملكة المتحدة .

هناك معترضون آخرون على القانون في صيغته الجديدة، غير أن هؤلاء قرروا خوض الانتخابات، وعلى الأخص الحزبين اليساريين: حشد والشيوعي، إضافة الى حزب البعث العربي التقدمي(الجناح السوري) . بينما لجأ حزب الوحدة الشعبية إلى المقاطعة . وباستثناء الحزب الأخير والحركة الاسلامية فإن بقية الأحزاب قررت المشاركة، وبعضها مثل حزب التيار الوطني القديم المتجدد برئاسة رئيس مجلس النواب عبدالهادي المجالي أصدر قائمة بمرشحيه من دون أن يكون المجالي نفسه من بينهم وهو يشغل حالياً عضوية مجلس الأعيان . وقد لوحظ أن رئيس مجلس الأعيان طاهر المصري خاطب جموعاً من الطلبة الجامعيين، قائلاً إن مقاطعته انتخابات العام 1997 كانت خطأ منه . وكان المصري قاطع تلك الانتخابات إلى جانب الإسلاميين الذين شاركوا في الدورة اللاحقة .

المقاطعة والمشاركة المسيسة تشغلان النخب في العاصمة والمدن الكبيرة، لكنهما لا تؤرقان المواطن العادي الذي ينشغل بتدبير أموره الحياتية . غير أن هذا المواطن ليس واحداً فإذا كان هذا هو حاله في المدن التي تشهد موجات غلاء، فإن المواطن الذي يعيش على أطراف المدن وفي الريف والبوادي يبدو منشغلاً بهذا الحدث، الذي يتخذ طابع لقاءات اجتماعية تغلب عليها الحماسة، ومن أوضح مظاهرها الانتخابات الداخلية التي تتم في صفوف العشائر والعائلات الكبيرة لاختيار مرشح إجماع عنها، بينما لا ترشح أنباء عن قيام أحزاب بهذه الخطوة . الاجتماعات العائلية أو اجتماع العائلات المنضوية في قبيلة واحدة والتزام أفرادها بالقرارات المنبثقة عن الاجتماع، هو عُرف ضارب الجذور في الحياة الاجتماعية المحلية، وللمفارقة فقد ترسخ هذا العرف أكثر بعد عودة الحياة الحزبية قبل نحو عقدين من الزمن . ومع انحسار فرص التوظيف في القطاع العام ونشوء اوضاع اقتصادية صعبة، فإنه ينظر إلى المرشح على أنه وسيط وجسر مع الحكومة لتخفيف الضغوط المعيشية وتقديم الخدمات، وإلا تتم ممارسة ضغوط على الحكومة عبر النواب في حال عدم الاستجابة للمطالب .

وخلافاً لدورات انتخابية سابقة فإن السياسة الداخلية لا الخارجية، تطغى على الشعارات الانتخابية وحملات المرشحين . ويُعزى ذلك بالدرجة الأولى إلى سكون الحركة السياسية في الاقليم ودورانها في حلقات مفرغة، وإلى ضعف حضور الأحزاب السياسية في الحياة العامة، وطغيان الهموم المعيشية، وهو وضع لا تتفرد به الأردن عن دول عربية أخرى يسودها المزاج السياسي نفسه تقريباً، مع تلاوين محلية هنا وهناك .

يشدد المسؤولون، وفي مقدمتهم رئيس الحكومة على الحياد والنزاهة التامة التي سوف تبديها السلطة التنفيذية في اجراء الانتخابات . وليس هذا التشديد مجرد ديباجة تقليدية، إذ يكمن وراءه ما تردد على نطاق واسع عن عيوب اعتورت العملية الانتخابية في انتخابات العام ،2007 حتى أن المركز الوطني لحقوق الانسان، وهو مركز رسمي، أقر بهذه العيوب المتعلقة ببعض جوانب الاقتراع والفرز التي شابت العملية . وكان قد تم حل المجلس السابق بإرادة ملكية في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي بعد أن أمضى نصف فترته الدستورية . وعليه فإن التركيز على نزاهة انتخابات 2010 يهدف إلى طي تلك الصفحة نهائياً في الأذهان . ولم يسبق أن قام مراقبون دوليون بمراقبة العملية الانتخابية، فيما يتاح لمراقبين محليين وخارجيين ومراسلين إعلاميين، القيام بدور المتابعة إلى جانب ممثلي المرشحين . وهو ما تعتبره أحزاب المعارضة ومنظمات مجتمع مدني غير كافٍ، وخاصة مع غياب هيئة قضائية مستقلة للاشراف على الانتخابات، وهو ما تفسره السلطات بأن قانون الانتخابات لا يجيزه .

ومع ذلك فلا بديل عن الانتخابات، والاعتراضات العلنية والقانونية على مختلف جوانب العملية متاحة، وهناك من قام بتذكير الإسلاميين في الأردن، بأن نظراءهم في مصر والعراق ولبنان والكويت والمغرب واليمن يخوضونها . وبعد التاسع من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل موعد الانتخابات، سيكون أمام الحركة الاسلامية أن تبحث عن حلفاء لها داخل المجلس النيابي بعد أن أفسحت الفرصة لآخرين .

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"