لتوسيع شبكة الأمان الاجتماعي والسياسي

04:23 صباحا
قراءة 3 دقائق

الاضطرابات التي شهدتها إحدى المحافظات التونسية في الأسبوعين الأخيرين من العام الماضي، طبعت للأسف ذلك العام بطابعها، رغم أن الأوضاع في تونس الخضراء طيلة العام 2010 اتسمت بالهدوء وبالحفاظ على مستوى التنمية مع بعض الشكاوى التي باتت متواترة وتقليدية التي أطلقها سياسيون ونشطاء في مجال حقوق الإنسان .

فاجأت الأحداث في سيدي بوزيد المتابعين في الخارج، ولعلها فاجأت سواد التونسيين، خاصة بدلالتها الرمزية حين أقدم شاب كادح لم تتيسر له فرصة الحصول على وظيفة عمومية رغم نيله الشهادة الجامعية على الانتحار العلني في الشارع بإحراق نفسه، بعد مضايقات تعرض لها من رجال شرطة في أثناء عمله بائعاً للخضار . وهي الرواية التي أجمعت عليها سائر التقارير الإخبارية . هذه المأساة الفردية بمحمولاتها الاجتماعية، أطلقت شرارة الاضطرابات المؤسفة، وانتهت إلى إقالة محافظ المنطقة، وإلى الإعلان الرسمي على أعلى المستويات ب تفهم خلفيات الأحداث مع التحذير الشديد من التسبب باضطراب حبل الأمن .

يسترعي الانتباه في هذه التطورات المؤلمة، أن القوى السياسية والنقابية نأت بنفسها عن هذه الأحداث، ولم تعمد إلى استثمارها أو محاولة تأجيجها سعياً وراء تحقيق شعبية في الشارع، على حساب الاستقرار والسلم الاجتماعي . لكن هذه القوى التقت مع المستوى السياسي الرسمي في تفهم ما جرى ، ودعت إلى حوار وطني واسع حر وصريح، للوقوف على الأسباب العميقة للأزمة الأخيرة، والانتقال من ذلك إلى وضع حلول لها، كما في المواقف الصادرة عن التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، وهو ائتلاف يضم أحزاباً سياسية ليس بينها الحزب الدستوري، حزب الأغلبية الحاكم تاريخياً في هذا البلد .

النبرة المسؤولة التي تحدث بها هذا الائتلاف الحزبي، تثير الأمل بأن يصار إلى معالجة الأزمة في جانبها الاقتصادي والسياسي، وبعدما تبين أنه ليست هناك قوى أو تنظيمات أشعلت فتيل الأزمة لغاياتها الخاصة . وأن ما جرى قد جرى بصورة عفوية، ولكنها مأساوية في نهاية الأمر . والأفضل بطبيعة الحال أن يدار حوار وطني مسؤول، وألا يقتصر الأمر على معالجة أمنية تثير انطباعات في الداخل والخارج، بأن الوضع ليس على ما يرام مع ما لذلك من انعكاسات ليست مستحبة .

لقد نجت تونس خلال العقد الأول من الألفية الثالثة، من تداعيات سياسية وأمنية عصفت بالمنطقة والعالم، وذلك بفضل سياسة تجمع بين الوفاء للمقتضيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حتى بات هذا البلد في مقدمة دول الإقليم في استقراره السياسي وتطوره الاقتصادي .

لكن التطورات الأخيرة كشفت أن مخرجات التنمية لم تنعكس على الوجه المأمول على الشرائح الاجتماعية الضعيفة في الريف، كما على هذه الشرائح في هوامش المدن، رغم أن تونس نجت من ظاهرة مناطق الصفيح وأحزمة البؤس . والمفارقة أن الفئات المهمشة باتت تظهر في قلب المدن لا في هامشها الجغرافي . في الشوارع والمقاهي وعلى شواطئ البحر، وتضم صفوفاً من متعطلين عن العمل .

وإذ تتحدث تقارير عن نسبة 14 في المئة من المتعطلين في أوساط الفئات الشابة المؤهلة للالتحاق بالعمل، فيما تتحدث المصادر الرسمية عن نسبة أقل تراوح حول عشرة في المئة، ففي المحصلة فإن البطالة مضافاً إليها الفقر يشكلان تحدياً جدياً، رغم ما بذلته وتبذله السلطات على هذا الصعيد من جهود حثيثة، ومن إنشاء صندوق للتكافل الاجتماعي لتطويق هذه الظاهرة والحؤول دون استفحالها . وهي مشكلة تعاني منها سائر الدول النامية بوتائر مختلفة، ولعل تونس تشكو منها بصورة أقل من غيرها، من دون أن تكون هنا وهناك وسائل سحرية لوضع حد لها بين ليلة وضحاها .

في هذا الضوء فإن تنظيم حوار وطني واسع يشرك القوى السياسية والنقابية إلى جانب الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، لتشخيص الأزمة ووضع حلول لها يمثل مدخلاً صالحاً لبدء إطفاء الأزمة ، ووضع حلول لها على الأمد القريب والمتوسط، ويمثل هذا اللقاء المنشود فرصة لتجديد الحياة السياسية وإثراء العملية الديمقراطية وتفريج احتقاناتها، وإشاعة أجواء من الحوار الإيجابي بين الدولة والفاعلين السياسيين والإعلاميين، بما يقطع الطريق على الاستغلال الخارجي، ويضمن التقدم على طريق المعالجة وفق أجندة وطنية وبجهود ذاتية وتشاركية .

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"