لعبة أو لوحة التفكيك وإعادة التركيب الكرتونية، المعروفة بالبازل puzzle، الميسورة الثمن التي يقال إنّ يهودياً من أصل بولندي هو الذي اخترعها، والتي يقضي أطفالنا ساعات في زوايا المنازل مفتونين بها، هي الصورة المصغّرة التي ترشدنا، ربّما، إلى قراءة واقع رقعة العرب والمسلمين ومستقبلهم . ولأن التفكيك مسألة فائقة السهولة حيث تتبعثر القطع الكرتونية الزاهية الألوان التي تؤلّف رسماً بنقرة إصبع، فإنّنا نصفّق لصغارنا لسرعتهم في إعادة تركيب ما فكّكوه تدليلاً أو تشجيعاً لهم على ذكائهم ودقّة ملاحظتهم . صحيح أنّ اللعبة الأممية بازلية لكنها ليست سريعة في الحالتين، خصوصاً أن حجر الزاوية الأوّل قد سقط في بغداد في ال ،2003 فلا بدّ من التذكّر وإعادة القراءة:
كان يغطي الشرق الأوسط، في الواقع، في مفهومه الواسع تاريخياً، مساحة شاسعة تصل إلى ثمانية ملايين كلم ،2 تمتد من مصر حتى أفغانستان شرقاً، وفوقها يتوزع ستة عشر بلداً عربياً وإسلامياً تتفاوت في أعداد سكانها، فبينما نجد بضع مئات من ألوف السكان يؤلفون دولاً، يرتفع عدد السكان في بعضها الآخر إلى ما يلامس المئة مليون مثل مصر أو إيران . تعدّ هذه المساحة موئلاً لموزاييك شديد التنوع من الأمم والأثنيات والمذاهب، ومحط أطماع قوى ودول غربية كبرى، الأمر الذي راكم فوقها تواريخ موصولة بالرفض والاحتجاج والثورات لشعوب عانت كثيراً مشاريع التقسيمات والتجزئة . يمكننا أن نضع فوق خريطة هذه الرقعة بالخط الأحمر جزءاً تركياً - إيرانياً (إيران، أفغانستان)، وهلالاً خصيباً وشبه جزيرة عربية تمسك بها مصر في شرقي إفريقيا، وكلها دول وشعوب تتفاعل وتفعل في الحضارة منذ القدم . هذه البقع الأربع المميزة على تنوعها التي يعسر خلطها ومحوها، جعلت من الشرق الأوسط منطقة مثقلة بأحداث التاريخ منذ القرن السابع قبل الميلاد . وقبل أن تتقدم مهداً للديانات التوحيدية الثلاث، قامت في أرجائها الإمبراطوريات الأولى لحضارات ما بين النهرين بين القرنين الرابع والثاني ق .م حيث صيغت تلك الحضارات بتلاقي مجموعة كبرى من ثقافات السومريين والساميين والحيثيين والحوريين .
وكان يجب انتظار القرن السادس عشر الذي بسطت منذ بدايته الإمبراطورية العثمانية سلطانها على مجمل هذه الرقعة، باستثناء بلاد الفرس وأفغانستان والقسم الجنوبي من شبه الجزيرة العربية . ولم تعرف تلك الرقعة هندسة سياسية معاصرة إلا مع انهيار الإمبراطورية التركية ونشوب الحربين العالميتين حيث راحت الدول تباعاً تأخذ طرقها نحو التحرر من ربقات المستعمرين . فقامت دول وأمم قديمة حديثة مثل مصر وإيران، إلى دول حديثة جاءت حدودها ثمرة توافق مصالح بين الدول الكبرى مثل فرنسا وبريطانيا . هذا الغنى الطبيعي السماوي، كان يرفده غنى أرضي كبير جاء بتفجّر البترول وهما اللذان منحا تلك البقعة الفريدة من الكرة هذا القدر من الاهتمام . نكتفي بالإشارة إلى أن دولاً معاصرة ثلاثاً كانت تلعب في ميدان سلامة النفط وتصديره أدواراً كبيرة هي المملكة العربية السعودية ومصر وتركيا، مصر للمراقبة عند السويس وحماية ناقلات النفط، وتركيا محطة الترانزيت للنفط العراقي .
جاء أقوى معطى جيواستراتيجي مع الحرب العراقية الإيرانية (1980 - 1988)، حيث تفجر الاحتقان الذي كان سائداً على ضفاف الخليج بين شعبين تأسسا على الصراع عبر التاريخ، وخصوصاً في أعقاب توطيد الثورة الإسلامية في طهران وطرد الشاه (1979) . ولطالما شكل شط العرب وكازاخستان حافزين للصراعات بين البلدين منذ القرن الثامن عشر، وكان الفرات (204 كلم) النهر الطبيعي الذي يرسم الملامح الحدودية بينهما على امتداد 105 كلم . يمكن القول إنه نهر قديم تاريخي، سياسي وثقافي كان يفصل بين الإمبراطوريتين الفارسية والعثمانية أو بين عالمين عربي وآري، أو ما بين طائفتين إسلاميتين سنية وشيعية، ولقد حوّله البترول إلى مجرى مائي تعقد فوق مياهه التبادلات الدولية في ميادين الطاقة: عبادان على ضفته اليسرى حيث تقوم أضخم مصافٍ بترولية في العالم، والبصرة والفاو على ضفته اليمنى تشكلان رئتي الاقتصاد العراقي . وقد لعب رسم الحدود فوق صفحة النهر شاغلاً أدى إلى مجموعة تسويات واتفاقات متحركة مثل حركة المياه (ومنذ الوجود التركي في منتصف القرن السابع) بين الفرس والإمبراطورية العثمانية، ومن ثم بين العراق وإيران، كان آخرها اتفاق الجزائر (1975) . وخرجت الدولتان الإيرانية والعراقية منهكتين في العام 1988 من الحرب وبرعاية الأمم المتحدة، لكن العراق المديون المدجج بأسلحة روسية وغربية أبرزته قوة وحيدة لا يستهان بها في الخليج، تكاد تهدد إسرائيل، وتستعيد مجد إيران الشاه في منطقة الخليج .
ثم كان غزو صدام الكويت وعاصفة الصحراء وتحولت رقعة الشطرنج الشرق أوسطية سياسياً واستراتيجياً، واهتزت تحضيراً لمتغيرات كبرى في الترسيمات الحدودية، فانكفأ صدام إلى داخل أراضي العراق من دون أن تفضي الأحداث إلى أي إعادة نظر جغرافية . ولقد أسقطت عاصفة الصحراء أسطورة قائمة منذ 1967 اسمها العراق . ولم تعد الأراضي الفلسطينية على الأقل بالنسبة إلى إسرائيل تشكل العمق الاستراتيجي القديم المشهور في وجهها، وجاء إعلان المبادئ الذي وقع في واشنطن (في 13 سبتمبر/أيلول 1993) القائل بالإدارة الفلسطينية الذاتية لقطاعي غزة والضفة الغربية، محفوفاً بصعوبات تطبيقه بل باستحالته، وذلك منذ عودة ياسر عرفات إلى غزة في يوليو/تموز 1994 . والسبب أن الانتفاضة الفلسطينية التي ابتدأت بالمقلاع تسارعت نحو خطر الاقتلاع الفلسطيني من فلسطين وتركيز التوطين . وبقيت مسألة إنشاء دولة فلسطينية في الضفة الغربية ملفاً مفتوحاً على الدم . وعلى الرغم من أن الأردن قد وقّع معاهدة سلمية مع إسرائيل (في 26 أكتوبر/تشرين الأول 1994) فإن مسارات التسويات باتت معطلة، ومقولة الأرض مقابل السلام بقيت شعاراً لا ينطبق أبداً مع واقع الممارسات الإسرائيلية التي أسقطت حدود 1967 بالنسبة إلى العرب والعالم، وعززت الاستيطان، وزجت بآلاف المعتقلين في السجون، وبات سقوط الضحايا والشهداء قوت الأراضي المحتلة اليومي، والدوائر الكبرى عادت تهمس بالترانسفير كنوع من الحقائق التي فكّت استحالتها وباتت تتقدّم في زمانها . الأغلبية في انتظار الانتخابات الأمريكية بعد شهرين، لكن هناك من ينتظر نهاية العقد الراهن أمام ما حصل ويحصل بين انتظارات العراق وتعثر تونس ودخول اليمن وليبيا حقول القصب الهش وتعرّق مصر في سيناء وغيرها من الساحات، ودفن لبنان رأسه في الرمال ومن حوله الحرائق المشتعلة في سوريا، وكلّها على إيقاعات أسطورة سيزيف الفلسطينية، يجعلنا أمام لعبة دولية تفكيكها حافل بالمجازر والكوارث ولن يبقى لدينا من أكفّ نصفق بها للأمم .
إنّنا في بدايات عقد متحرك غير مستقر لا في التاريخ ولا في الجغرافيا، لا في الوثائق ولا في الترجمات العربية المشوّهة المرادفة له، ولا حتى في تداعياته التي اصطدمت بصخرة الصراع أو التجاذب الدولي الجديد، وكأننا في صدد البحث عن النظام العالمي الجديد الذي يسحب من قواميسه مجموعة هائلة من المصطلحات والتسميات التي تتأرجح بين الشرق الأدنى والشرق الأوسط الجديد . ومن يُبْحرُ جيّداً في لعبة الدول ينتابه الضياع لكثرة الصياغات والتباينات الدولية، فيبطئ الزمن وتتبدّل الأفكار والرؤى الاقتصادية والثقافية لمنطقة تبدو جغرافيتها تنبسط لتلقف الخرائط والمشاريع والمبادرات، فتضمّ الدول العربية وتركيا وإيران، وإسرائيل ودولاً متعددة من آسيا الوسطى ليست محددة بعد، أي مجمل الدول العربية والإسلامية، أو تتوسع لتضمّ، إلى جانب الدول العربية كلها إيران وتركيا وباكستان وأفغانستان ودول آسيا الوسطى ودول القرن الإفريقي، وهو أمر لم يشهده تاريخ الشرق . الأساس في الأمر خرط إسرائيل في قالب المنطقة الجديد، ولا يخفى أن استراتيجية توسيع التعريف الجيوسياسي يرمي إلى جعل المنطقة خاضعة حكماً لخريطة الحروب المحمولة والمتنقلة في صراعات متعددة الأجناس والأطراف، وفوق بحيرات من النفط تؤمن الحركة في أمريكا حتى العام 2070 في آخر تقدير، من دون أن تمسّ احتياطها . لا تجوز قراءة سريعة لسبعة وعشرين قرناً من التفكيك المتمادي للمنطقة في مقال لا يتجاوز الألف كلمة، ولكن لا تجوز قراءة مستقبل المنطقة في ضوء انتخابات أمريكية تحصل بعد ستين يوماً على الأكثر .