لا يعقل ألا يكون للعرب ما يسعهم فعله عبر التذرع بأن الخيار العسكري قد أسقط، وبالتالي لم يعد هناك ما يمكن فعله سوى إرسال المعونات والتعبير اللفظي عن الإدانة والتضامن.
مع مواصلة الحرب البربرية على كل مظاهر الحياة في قطاع غزة المكلوم، فإن أجواء المرارة السائدة المصحوبة بالفخر بأداء المقاومين البواسل، ينبغي ألا تشل الإرادة السياسية. فمع أن عقد القمم يظل أفضل من غيابها، إلا أن هذه الملتقيات وحدها مهما صدر عنها من قرارات جريئة وقلما يحدث ذلك، فإنها لا تمثل وحدها وبالضرورة رافعة للنهوض العربي، ولا توفر إجابات شافية عن التحديات، ولا ترسم طريقاً الى المستقبل. والخبرة المتأتية من عقد مثل هذه المناسبات منذ نحو ستة عقود تدل على هذا ولا تنبئ بغيره.
الحاجة قائمة الى اشتقاق وتطبيق سياسات فاعلة ذات مردود وأثر.
وهكذا فإنه بوسع عدد من الدول أن تبادر الى صياغة مثل هذه السياسات وإطلاقها ودعوة بقية الدول العربية الى تبنيها.
قبل أعوام تجندت مبادرات عربية لمحاكمة الدولة العبرية أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، بخصوص جدار الضم والتوسع في عمق الضفة الغربية المحتلة. الآن هناك هيئات حقوقية وسياسية تنشط لتنظيم رفع دعاوى ضد مجرمي الحرب الصهاينة. المساعدة على تأطير هذه الحملة وتقديم كل التسهيلات لنجاحها باللجوء الى هيئة قضائية معتد بها دولياً، مع الاستغلال الأمثل لعنصر الوقت، تشكل إحدى الإجابات الصائبة على التحدي.
يجب نبذ الدولة العبرية ومقاطعة مسؤوليها وهيئاتها بكل الطاقة الممكنة، واعتبارها نظاماً أسوأ من نظام الأبارتهايد العنصري في جنوب إفريقيا سابقاً ومن رواد التطهير العرقي في البلقان، فهو يمثل وسيلة أخرى ناجعة وذلك بالاستناد الى جملة ممارسات هذا الكيان، التي وجدت تتويجاً لها في الحرب القذرة على قطاع غزة. ومن المفيد في هذا المجال التركيز على السلوك الصهيوني، على الوقائع والشواهد، على الحقائق والوثائق، بدلاً من السجال النظري حول مدى شرعية دولتهم وحول الاعتراف بها. إذ إن وضع ممارساتها في دائرة الضوء، والعمل على عزل الدولة المارقة والتي تحكمها عصابات إرهابية ومؤسسة عنصرية، يؤديان حُكماً بالتدريج والتراكم الى محاصرتها ثم الطعن بشرعيتها.
إن هناك العشرات من الخطوات الرمزية الكفيلة بمحاصرة الدولة الآثمة، من قبيل أن يتنادى عدد من المحطات التلفزيونية العربية للتوقف عن إتاحة الفرصة أمام أصوات صهيونية للتحدث عبرها. قد يضر هذا الإجراء بأصوات قليلة العدد يندرج أصحابها ضمن القوى السلمية. غير أن المجال الطبيعي والمفيد لبيع بضاعة هؤلاء هو داخل المجتمع الصهيوني، وبوسع هؤلاء تفهم هذا الإجراء. وقد يضر الإجراء جزئياً بممثلي عرب 1948 في حال حظرت السلطات الصهيونية التعامل مع وسائل إعلامة عربية، غير أن وفرة وسائل الاتصال وسرعتها من شأنهما التعويض عن أية خسارة من هذا النوع.
من المعروف أن هناك تطبيعاً سياحياً بين بعض دول المغرب العربي وتل أبيب، وهو مجال آخر لعزل الدولة العبرية، خاصة أنه ليس هناك اعتماد يذكر في باب الواردات والعائدات على هذه السياحة مقارنة بتلك الوافدة من بقية دول العالم، وليست هناك علاقات دبلوماسية تملي وتغطي هذه السياحة، التي تتم من جانب واحد، فمواطنو تلك المنطقة بمجملهم لا يقصدون تل أبيب.
يحتاج الأمر كما تقدم الى مبادرات وإلى بعض التنسيق مع دول أخرى، بما يدخل في إطار سيادة الدول وقراراتها المستقلة، ودونما حاجة للتخندق في هذا المعسكر العربي أو ذاك، علماً بأن الأمر يندرج أيضاً في إطار مناوأة التمييز والعنصرية، ومكافحة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية ومطاردة المجرمين، وفي باب التضامن الإنساني مع شعب مستباح مستضعف، وهو ما يسهل شرحه وتوضيحه، والدفاع عنه عند الاقتضاء.
وإذ تواترت المبادرات الخليجية بالذات لإعمار ما قوضته آلة القتل المجرمة في قطاع غزة، فإن ذلك يتعين ألا يكون بديلاً عن السعي لتدفيع القتلة ثمن جرائمهم بما ذلك الثمن المادي للإعمار. وفي جميع الأحوال فمن المفيد إظهار الدولة الصهيونية المجرمة على أنها تتقن الهدم ولا تتورع عنه، وتستنكف عن البناء، ولا يعيب الضحايا في شيء المطالبة بتعويضات من الجناة.