تحتفل منظمة الأمم المتحدة، بعد غد (الثلاثاء) 20 نوفمبر/ تشرين الثاني، كما في كل عام باليوم العالمي للطفل، بتوجيه نداء عاجل إلى دول العالم لضمان مستقبل أفضل للأطفال، وضرورة توفير جميع الوسائل التي تتيح لهؤلاء الأطفال التمتع بأوقاتهم في جو يسوده السلام، وأن تتاح لهم الفرصة للنمو والتعليم، حيث إنه يتعرض عدد لا يحصى من الأطفال في مختلف أنحاء العالم يومياً إلى مخاطر تعيق نموهم وتنمية قدراتهم، وتشتد معاناتهم بسبب الحروب وأعمال العنف والتمييز والفصل العنصري والعدوان والاحتلال الأجنبي لبلدانهم .
ويعاني هؤلاء الأطفال أيضاً التشرد والنزوح، واضطهادهم للتخلي بشكل قسري عن جذورهم، وكثيراً ما يكونون ضحايا الإعاقة والإهمال والقسوة والاستغلال، ويعاني ملايين الأطفال ويلات الفقر والجوع، والتشرد، والأوبئة، وتدهور البيئة، والافتقار إلى نمو مطرد في كثير من البلدان النامية .
كل يوم يموت خمسون ألف طفل من جراء سوء التغذية والمرض . وأشارت تقارير صادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة اليونيسيف إلى أن ما يزيد على 5 ملايين طفل عربي، معرضون للخطر، ويعانون نقصاً حاداً في الغذاء والرعاية الصحية وآثار العنف، وذلك نتيجة النزاع المسلح في بعض الدول العربية مثل ليبيا، فلسطين، العراق، الصومال، اليمن، السودان، لبنان وسوريا . وأشار التقرير إلى أن حياة هؤلاء الأطفال معقدة ومرتبكة، نتيجة مزيج معقد من حالات الطوارئ الحادة، وتأخر مستوى التنمية، والتأثر بالتوترات السائدة في دول الثورات العربية .
وهكذا يعيش أطفال العرب ممزقين بين زحام الأحداث، والضغوط النفسية الرهيبة، والتغيرات السياسية اللاهثة التي تأتينا كالصواعق تزلزل العقول والقلوب، ولا تترك إلا الصدمات والكدمات في وجدان الطفل العربي، بل وتثير شكلاً من أشكال الفوضى والارتباك في فضاء مشبع برائحة الموت، والذاكرة المثقلة بالقمع والتجويع والإذلال اليوميّ، ليغطي سماء الطفولة العربية، هذا الفضاء لم يترك أملاً لحي، ومتنفساً لذي رئة، نتيجة السلطوية الثورية، وأصالة التخلف التي قلصت حقوق الطفل العربي حتى صار وسيلة كسب رخيصة وخسيسة، فينصرف إلى طلب الإحسان عند مصادرة حقه الإنساني وإلقائه على قارعة الطريق، دون مراعاة لإنسانيته عندما تتحول قناعاته أن ما يُقدّم إليه من رعاية، هو مجرد صدقة تقدمها السلطة، التي تعد الخدمات الصحية والتعليمة شأناً من شؤون الأعمال الخيرية العامة .
هكذا يزداد الأطفال فقراً، فليجأ بعضهم إلى التسرب من التعليم تحت ضغط الحاجة، ويبحث عن فرصة عمل شريف، ويهرع بعضهم إلى السرقة كوسيلة أسرع إلى الكسب، فتتزايد معدلات الانحراف والجريمة، وكثيراً ما نرى أطفالاً فقراء يعاقبون على جرم لم يرتكبوه، فتعجّ السجون بهؤلاء الأطفال الذين ولدوا بطهر البراءة في أوج نقائها . وهي سجون في أغلبها تُهدر كرامة الإنسان أكثر مما تُهذب طِباعه، فيؤدي ذلك إلى تزايد معدلات الجريمة . . فماذا أغنت تلك السجون؟ إنه واقع مؤلم ومرير فمجتمعاتنا العربية تأبى على الأطفال حقهم أن يكونوا أطفالاً يمارسون وعي الطفولة، لأنها مجتمعات سجينة الزمن والعادات والتقاليد البالية، يعيشون زماناً غير زمانهم . هناك أطفال يملكون أكثر قليلاً من اللا شيء، وأقل كثيراً من كل شيء، عندما يعاني الأطفال كثيراً التناقض بين ثقافة الاستهلاك، والجوع، والعراء في الشارع، وتتشكل منهم العصابات التي يوحدها الموت في الخوف، الخوف من العيش والخوف من الفقر والانحطاط والانغلاق بحكم الواقع، نتيجة مجموعة عوامل منها الجهل والاندفاع نحو الضياع والغلو، والممارسات المهينة التي تتخطى القواعد الأخلاقية والدينية وتتجاوز كل الاعتبارات . تجد هؤلاء الأطفال ودموعهم أشبه برماد محترق، ثيابهم رثة بين سراديب النفس والهلاك وطابور البؤس على دائرة الإغماء، والعاهات المزمنة في جدلية أخلاقية، وأحلام السراب الممتد على حبال الطفولة مشاعاً برائحة الرمال، وامتهان القيم والمشاعر الإنسانية، يغالبون الموت جوعاً من أجل الحصول على ما يمسك الرمق، أو يطفئ أوار العطش، مات الكثيرون منهم وهم أحياء، وتحولوا إلى جثث فيها ما يشبه الحياة، ولكنها تتحرك كما تتحرك الأشباح، كالأشجار التي تموت وهي واقفة .
مأساة الطفل العربي أنه يموت تحت سطوة القمع، ولا سيما على الصورة التي مارست بها الأنظمة الإطلاقية ذات التنظير الأيديولوجي التي جردت الإنسان من إنسانيته، وخُيل إليها أن روح الكائنات يمكن أن تذوب في آلة الدولة المستبدة ذوباناً مطلقاً في تشريح العنف، والقوة المادية العارية التي تقوم على فرضية الاستبداد، ومسرحية اللامعقول، وتهميش العقل، وهي أحد إفرازات الأنظمة الديكتاتورية التي تحوي الخلط والتميع، التي قد تصل أحياناً إلى درجة المأساة تحت ركام الأهواء التي لا تبقى منها إلا الفقاقيع الجوفاء، تلك التي تطفو في خيلاء من مخلفات الأعاصير العربية العاتية في كل المدارات المخيفة التي ترزخ تحت الحقد والكراهية والفوضى، لتعانق المصير المجهول في فراغ رهيب، من ضياع المستقبل والعجز عن فهم الواقع، فيغرق في حضيض الانحطاط النفسيّ والانحلال الأخلاقي لهذا المخلوق البشري الصغير ذي البراءة الذي حُرم حتى الحلم، يقف وسط الطريق يلاحق هذه المراكب التي ترحل كل يوم إلى مشارق الشمس، ولا يستطيع أن يتحرك معها، تطحنه الفرقة والنزعات، وتذهب به هذه المشاحنات كل مذهب، في وطن ينتحب لمرارة الحرمان، ويسرق النوم من عيون أطفاله وصباياه، وتذيقه طعم العلقم وتطحنه العواصف من كل الجهات، وتذهب بآماله الرياح صباح مساء عبر الرزايا في قفر عميق بين العظام وسكن القبور . إنْ عبَر جسور المعاناة فلن يحصل عليها حتى في الحلم، وإن كان ذلك العبور كله فوق جسور من الوهم، وغيوم من الدخان والسراب .
إذا كان هذا هو وضع أطفال العرب الآن في مواجهة الماضي الذي لا يستطيعون إزاءه شيئاً، فهل بالإمكان أن تكون للدول العربية جهود فعّالة بما يجنب الأطفال المستقبل الغامض؟ فيعيشون واقعاً معتدلاً، يمارسون فيه طفولتهم بطريقة آمنة، حتى نضمن لهم مستقبلاً، يعيشون فيه رجولة مستقرة على غرار ما فعلت دولة الإمارات العربية المتحدة بإقرار مجلس الوزراء مؤخراً قانون وديمة لحماية الأطفال وضمان حقوقهم، وهو قانون جدير بأن يحتذى عربياً ودولياً . إن الكثير من المسؤولين والاختصاصيين - من العلماء والباحثين - قد أولوا عالم الطفولة اهتمامهم الكبير - على المستوى النظريّ - في بعض البلدان العربية، يبقى أن تُتَرجم هذه الدراسات إلى واقع عمليّ يجنبنا هذه المآسي التي رأيناها ولا نزال نراها، خاصة ونحن نعيش اليوم واقعاً أصبحت فيه الطفولة الآمنة على سُلم أولويات الحكومات والمنظمات العالمية والإقليمية . وعلينا أن نمدّ جسور التعاون مع مكاتب اليونيسيف ونستلهم من استراتيجيات خطط الأمم المتحدة وتجاربها الرائدة، ما يتوافق مع قيمنا العربية والإسلامية .