ماذا رأى #187;فيليكس#171; وهو معلّق في ذلك #187;الفراغ#171; العظيم ما بين الفضاء والأرض؟ ماذا رأى ذلك النمساوي الذي طار في السماء، غير طموحاته الكبرى وحلمه الذي كان يتحقق مع كل حركة شهيق وزفير تصدر عنه والعالم يسمعه مباشرة على الهواء، ويعد أنفاسه ليتأكد أنه ما زال حياً؟ هل رأى أن على الأرض بقعاً سوداء قاتمة، يكتم فيها الجبابرة أصوات الأبرياء؟

هل رأى رجل ال 43 عاماً وهو يخترق جدار الصوت بجسده، أن ابنة ال 14 ربيعاً دفعت ثمن اختراقها للصمت في بلدها باكستان بجسدها أيضاً، عندما هاجم مسلحون حافلتها المدرسية وأسكتوا صوتها برصاصات اخترقت رأسها؟ هل يعرف فيليكس باومجارتنر أن بينه وبين ملالا يوسفزادي حلماً مشتركاً وهو #187;التحليق#171;؟ مع فارق أن الأول حلق بجسده في الفضاء، بينما الفتاة حلّقت بأحلامها وطموحاتها منذ صغرها فوق القمع والكبت في بلدها، وأرادت أن تخترق جدار الصمت فيه فدافعت عن حقوق الفتيات في التعلم . حلّقت بوطنها ومجتمعها فوق #187;طالبان#171; وفوق كل المتعصبين والعقول المتحجرة، وأرادت له أن يسير نحو العلم والنور، فكتبت كثيراً بأسماء مستعارة لتحكي عبر الانترنت عن قصص فتيات معذبات في بلدها، وعن قهرهن وإجبارهن على الجلوس في المنزل بدل التعلم، فأقلق صوتها منام الجبابرة .

علّمونا في المدارس أن نستعير من الطائر صفته ومميزاته كي نعبّر عن مدى فرحة الإنسان بشيء ما أو إنجاز حققه، فنقول #187;طار فرحاً#171; . وها هو إنسان اليوم يطير بحق بلا طائرة وبلا أجنحة، ليس من شدة فرحه وإنما من شدة علمه، ليثبت أن العقل البشري دائم التطور ويتحدى ذاته باستمرار ليخترق قمة ما توصل إليه أسلافه، ويسجل قفزات علمية جديدة . وملالا أيضاً أدركت أن العلم نور، وأن هناك من يريد لها ولأخواتها من بنات جنسها العيش في الظلام، فرفضت وتحدت كل التهديدات، وأرادت أن تقفز فرحاً فوق تلك الحواجز، فتصيدوها بمنتهى الجبن كمن يتصيد عصفوراً داخل قفص، وأسكتوا دماغها لترقد جسداً صامتاً .

الإنجاز الذي حققه فيليكس سيذكره التاريخ من باب الإنجازات العلمية، وسيبقى #187;حديث الساعة#171; في العالم كله وصوره تتصدر الشاشات والصحف لأيام وأشهر، ومن بعدها يحتفل الكل في ذكراه السنوية . لكن الإنجاز الذي حققته ملالا سيذكره الضمير فقط لأنه صرخة موجعة، ولأنه حدث يمس كرامة إنسان ضعيف في بلد #187;بعيد#171; . لن تتصدر صورها الصحف، ولن تحتج على محاولة اغتيالها الأمم ولن تعقد من أجلها المؤتمرات . وحدها دولة الإمارات مدت يدها لانتشال الطفلة وأرسلت طائرة تحملها من باكستان إلى حيث تتلقى العلاج الأمثل . وهي الدولة الأولى التي طالبت بالقصاص من القتلة ومحاكمتهم، مناشدة العالم كي يتحرك للدفاع عن حقوق ملالا التي سعت إلى نشر العلم والوعي والثقافة والمعرفة بسلام وطيبة في بلدها . أين الباقون؟ ترى أيهما أصعب، كسر جدار الصوت بالجسد، أم كسر جدار الصمت بالعقل والجسد؟

[email protected]